الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
كنت أدرب مجموعة من الموظفين السعوديين حديثي التعيين في إحدى الشركات الكبرى، تطرق الكلام في مهارات الاتصال إلى نظرة الأجانب للمواطن السعودي. قبل أن أعرض الشريحة الخاصة بالموضوع طلبت من المتدربين أن يختاروا جنسيات أجنبية معينة، ويقدموا مزايا وعيوب المنتمين لتلك الجنسية. أذكر أننا تحدثنا عن سبع جنسيات اتفق أغلبية المتدربين على مزايا كل منها وعيوبها.
تحدثنا في النهاية لنظرة الأجنبي للسعودي، وتأكد للجميع كل ما ورد في الشريحة وأغلبه لم يكن إيجابياً. لكن المؤكد هو أن المزايا الوظيفية والعملية التي يحصل عليها كل أجنبي تختلف باختلاف الاقتصاد الذي يأتي منه، ومعه اختلاف المردود على اقتصاد الوطن وثقافته.
المؤسف أن ما شاهدناه بعد فترة تصحيح الأوضاع في سوق العمل، كان ترسيخاً لما نعرفه سابقاً عن عنف وعدم نظامية جنسيات معينة. بل إن الجنسيات التي ثارت على القرار وحاولت أن تتمرد عليه كانت الجنسيات التي تستفيد من الاقتصاد ولا يستفيد الاقتصاد منها. أقصد بذلك الأشخاص غير المؤهلين تقنياً، الذين يعملون في أي مجال بهدف الكسب المادي، ويجربون كل شيء لأنهم لا يبرعون في شيء معين.
يطرح هذا تساؤلاً مهماً طالما حاول الجميع أن يناقشوه، واعترض عليه كثر، لكنه استمر حاكماً للعلاقة بين المملكة والدول التي ينتمي إليها هؤلاء العمال. لماذا تتدخل السياسة والضغوط الدولية في قرارات استقدام العمالة؟ إن وجود المنتمين لهذه الجنسيات غير محبذ بالنسبة للمواطن ورجل الأعمال السعودي، ذلك أنها دون المستوى التقني والعلمي، وهذا كان يستدعي أن تستقدم المؤسسة أو الفرد عدداً أكبر من العاملين، وهو أحد أسباب تسيب العمالة.
يجب أن تعمل وزارة العمل على إلغاء الحصص التي جعلتنا رهينة لجنسيات محددة. ومن المهم أيضاً أن تعتذر الدولة عن الرضوخ لضغوط الدول التي تتبعها هذه العمالة ما دامت غير مساهمة في التنمية، ورغم ذلك تشتهر بخرق الأنظمة. هذا القرار الشجاع يعطي وزارة العمل الحق في تحديد الدول التي يمكن أن تستقدم منها العمالة بناء على معايير وظيفية ومهارية بحتة.
كما يمكن أن يسهم القرار في التخلص من أعداد كبيرة من العمالة غير المؤهلة وإن كانت غير مخالفة بالتدريج. فنحن نعاني انخفاضاً واضحاً للمهارة الفنية، وسوء المخرجات الذي تسبب في خسائر كبيرة للمواطن والدولة في مجالات كثيرة سواء كانت صناعية أو إنشائية أو خدمية. يمكن التعرف على هذه العيوب عندما نقارن جودة منتجاتنا ومنشآتنا مع ما حولنا من دول مجلس التعاون، فكيف بأوروبا.
كما أن من المهم أن يكون هناك تنوع في الدول التي نستقدم العمالة منها، وأن نعمل على التعامل مع دول جديدة بناء على المهارات التي تميز مواطنيها. الكثير من دول أوروبا الشرقية مفتوحة اليوم للاستقدام، وهي دول تتميز برامجها التقنية والفنية بمحتوى ومستوى نحتاج إليهما.
يضاف إلى هذه الشروط العمل على تطوير نظام لتحديد الأعداد التي يمكن استقدامها من دولة معينة، والتأكد من مواقع انتشارها في المملكة، ومتابعة القضايا العمالية بدقة وحل المشكلات بشكل فوري لضمان أكبر قدر من الأمن والانضباط والتخلص من الحجج التي يسوقها البعض للإضراب أو الخلاف مع صاحب العمل.
التكدس في أحياء معينة من أهم أسباب المشكلات التي شاهدناها خلال الأسبوعين الماضيين. يتجمع هؤلاء في مواقع معينة ويبدأ التأجيج والشد ليتحول كل واحد إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في اللحظة التي يحاول فيها رجال الأمن تطبيق النظام.
إلغاء التجمعات السكانية المشابهة، والتحكم في أعداد الساكنين في الوحدات السكنية، وإيجاد أنظمة رقابة داخل الأحياء، وتشجيع المواطنين والمقيمين على الإبلاغ عن حالات انتهاك القوانين، ونشر الشرطة السرية، وغيرها من الإجراءات ستسهم بلا شك في توفير حد معقول من الحماية.
ما حدث خلال الأيام الماضية إنذار مهم موجه إلى كل الجهات الرسمية والخاصة والمواطنين. فالتساهل الذي استمر سنين طويلة، ومخالفة المواطنين للنظام بالتستر على المخالفين، والعفو عن المخالفين عندما يصلون إلى مراكز الشرطة والجوازات، وانخفاض نسب السيطرة على الحدود سواء كانت بشرية أو تقنية وعوامل أخرى سببت هذه الأزمة، وتنذر بمخاطر أكبر إن تكرر الإهمال.
أظن أن كثيرا من المسؤولين والمواطنين يقفون اليوم على مفترق طرق بالنسبة للتعامل مع العمالة الأجنبية، لكن المهم هو أن نتعلم من هذه التجربة المريرة، فنعمل على الحد من الاستقدام إلا للحاجة، وأن يكون الاستقدام مبنياً على المواصفات المهنية فقط، وأن نعمل على تقليص الاعتماد على دولة أو مجموعة دول. التحدي الأهم يتمثل في الاعتماد على النفس وكما قال العرب قديماً: ”ما حك جلدك مثل ظفرك، فتولّ أنت جميع أمرك”.
نقلا عن الاقتصادية
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال