الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لننعش الذاكرة قليلاً، بدأتُ هذه السلسلة حول الميزانية العامة المرتقب صدور بيانها نهاية الشهر الجاري، وعلاقتها التبادلية مع الاقتصاد الوطني، وانتهى الجزء الأول إلى أنّ الاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الميزانية، والأخيرة بدورها تعتمد بصورة أكبر على عوائد النفط. وعليه، فإن واقعاً كهذا حمل في طيّاته العديد من التحديات الجسيمة، التي تقتضي ضرورة المضي بخطوات أسرع على طريق إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، والتحرك به تدريجياً نحو مناطق يكون فيها أكثر استقلالية عن عوائد النفط، والاعتماد شبه المطلق عليها، وأن يكون ذلك التحرك لصالح قاعدة الإنتاج المحلية المتعددة والمتنوعة الركائز.
ولأن الميزانية العامة هي مالكة زمام الأمور في هذا السياق، فقد اعتمد لأجل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، أحد مدخلين أو مؤشرين رئيسين: إما زيادة الإيرادات الأخرى غير النفطية، أو خفض المصروفات العامة. تُفسّر زيادة الإيرادات الأخرى غير النفطية على أن ركائز الإنتاج المحلية المتنوعة، نجحت في زيادة حصتها من الاقتصاد الوطني، عدا نجاحها في خلق المزيد من فرص العمل الكريمة أمام المواطنين. تم التوسع فيه في المقال الأخير، والجدوى العظيمة لتوظيف المدخرات والفوائض المتراكمة في الخارج محلياً، وأنها بالاعتماد على الحكومة والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي، وفق مزيج من سياسات وبرامج أكثر ديناميكية، ستكون قادرة على تحقيق هذا الهدف المنشود.
في الوقت ذاته استبعد ”مؤقتاً” خيار رفع الرسوم الحكومية، وفرض ضرائب الدخل، وغيرها من المقترحات في الاتجاه ذاته، لآثارها السلبية العنيفة في ظل التشوهات القائمة على دخل المواطن والمقيم، ولأجل تجاوز هذا ”المطب” المعقد، اشترط القيام ببعض الإجراءات المسبقة، كان من أبرزها الخفض التدريجي لمزايا الدعم الحكومي على الطاقة، والسلع الاستهلاكية والزراعية، وفي الوقت ذاته تُرفع تدريجياً الرواتب والأجور في القطاعين الحكومي والخاص، وتفعيل بطاقات التموين اللازمة للشرائح الاجتماعية المستحقة، وهو ما سيتم التوسع فيه هنا، كما وعدتُ سابقاً.
تصاعدت خلال الأعوام الأخيرة أصوات متضاربة في أهدافها، انقسمت إلى قسمين رئيسين: الأول مطالباً برفع مستويات الرواتب والأجور لمواجهة أعباء المعيشة المتصاعدة التكاليف، نتيجة استمرار ارتفاع معدلات التضخم محلياً، التي أخمدت نحو 54.8 في المائة من القيم الاسمية للأجور وصولاً للقيم الحقيقية للدخل.
أما القسم الثاني مطالباً برفع الأسعار المحلية للطاقة التي وصلت نسبة تكلفتها منفردة بنهاية 2012 لنحو 423.2 مليار ريال، أي بنسبة 16 في المائة من إجمالي الناتج المحلي 2012 وفقاً لتقديرات IMF المنشورة في التقرير الأخير لمشاورات المادة الرابعة للمملكة عام 2013. علماً أنها لا تدخل ضمن المصروفات الحكومية، وبمقارنة تلك الفاتورة للدعم مع الفوائض المالية التي تحققت طوال الأعوام الماضية، فإنها ستتخطاها دون شك! بمعنى أن ذلك الدعم لو ضمّن في جانب المصروفات السنوية للحكومة مع ثبات حجمها الراهن، لنتج لدينا ميزانيات سنوية محمّلة بعجز مالي ليس بالهيّن. ويُضاف لتلك المطالب أيضاً رفع الرسوم الحكومية، زائداً خفض الدعم الممنوح للعديد من السلع الاستهلاكية الضرورية، لما يمثله من أعباء إضافية على الميزانية العامة والاقتصاد الوطني على حد سواء. أخيراً وليس آخراً، أظهر التقرير الأخير لمشاورات المادة الرابعة للمملكة عام 2013 المعد من صندوق النقد الدولي، أن أكثر من 85 في المائة من تدفقات الاستثمار الأجنبي ”746.4 مليار ريال بنهاية 2012”، تركّز على الصناعات والمجالات المعتمدة بصورة أكبر على مواد اللقيم ذات الأسعار المنخفضة ”النفط المكرر، المنتجات الكيماوية والبتروكيماوية”، في الوقت ذاته الذي لم يشهد معها الاقتصاد الوطني آثاراً تميّزها عن غيرها على مستوى توظيف العمالة الوطنية، أو على القيمة المضافة للاقتصاد، بل على العكس تماماً فقد زادت من معدلات استقدام العمالة الوافدة، وأخذت أكثر مما قدمت للاقتصاد الوطني وموارده، وتحديداً تلك التي لجأت بصورة أكبر لتمويل نشاطها التشغيلي إلى وعاء الائتمان المحلي الممنوح من البنوك المحلية.
صورة كهذه في قسميها الأول والثاني، لا شك أنها تبعث على القلق الشديد! بل إنّها تؤكد أن الاعتماد على الإنفاق الحكومي ”المعتمد هو في الأصل على إيرادات النفط”، بدا أكبر بكثير مما تظهره الإحصاءات الاقتصادية المنشورة. وإذا نظرت إلى حيثيات أو مبررات كل قسم أعلاه، فإنك ستجد أنها تتمتع جميعها بالوجاهة وضرورة العمل على معالجتها بصورة فورية! التساؤل المحير جداً أمام هذه التشوهات المكلفة جداً على كاهل الاقتصاد الوطني: أين هي الجهات الحكومية المسؤولة والمعنية بالأمر، وفقاً للسياسات الاقتصادية المرتبطة بها من تلك التشوهات؟ وكيف لها أن تُفسّر لنا غيابها التام عن معالجتها، واتخاذ التدابير اللازمة لإيقاف هذا الهدر المالي والاقتصادي الباهظ التكاليف؟
لا شك أنها تحديات جسيمة سيصعب كثيراً على كل من الميزانية العامة والاقتصاد الوطني والمجتمع التعايش أكثر مما مضى، فالمؤشرات المستقبلية تُشير يقيناً إلى أنها في طور تحولها إلى أزمات قد لا تُحمد عقباها على الإطلاق! فتكلفة استمرار المزايا على أسعار الطاقة مرشحة للارتفاع لنحو 0.5 تريليون ريال بحلول 2017، وأن ترتفع نسبتها من إجمالي الناتج المحلي لأكثر من 20 في المائة! مع الإشارة بالضرورة هنا إلى أن شريحة الأثرياء والمستثمرين الأجانب استفادت بأكثر من 80 في المائة من تلك المزايا، مقارنة بالفئات المستهدفة من المواطنين ومحدودي الدخل، وتحديداً الفئة الأخيرة التي لم تتجاوز استفادتها نسبة 5 في المائة من ذات المزايا.
وعلى أن الأوضاع المعيشية لأغلب المواطنين تواجه ظروفاً معقدة حتى بوجود تلك المزايا، اقتضت فعلياً ضرورة بحث الخيارات الممكنة لمعالجتها وفي مقدمتها رفع مستويات الأجور. فما الحال إذاً، والتوجّه نحو الخفض التدريجي لتلك المزايا مستقبلاً أصبح مطلباً ملحاً؟ لقد تأكّد ضرورة تزامن أية جهود أو إجراءات ستتم على الجانبين مع بعضها البعض، أن يتزامن مع تخفيف مستويات الدعم الحكومي زيادة في مستويات الأجور لكل من القطاعين الحكومي والخاص دون استثناء، وهذا يتطلب جهوداً وعملاً أكثر دقة ومرونة على مستوى عمل القائمين على السياسات الاقتصادية، أؤكد أنّه يفوق بأضعاف كثيرة الجهود القائمة لتلك الجهات في الوقت الراهن.
نقلا عن الاقتصادية
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال