الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
كنت كتبت مقالين حول العقار الأول عنونت له بـ “الوهم الذي اختلقناه من الحقيقة ليحل محل الواقع” ، والآخر بـ ” اتفاقية التمويل الإضافي للإسكان … من سيكسب الرهان ؟ “، كان الأول بعد مشاهدتي لبرنامج هشتاق السعودية، شبيها بالتحليل النفسي، فقد لاحظت موجة غضب ظهرت على وجوه العقاريين، وعلامات قلق في نبرات أصوات المتكلمين منهم، إضافة لليأس الذي بدأ يشق طريقه إليهم، أما المقال الثاني فقد كان عقب اتفاقية التمويل الإضافي للإسكان والذي وقعتها الوزارة مع بعض البنوك، وكيف أن تلك الاتفاقية التي استبشرت بها فئتين ، العقاريين والبنوك، كون تلك الاتفاقية ستسهم في عودة النشاط للسوق، ومزيد من الأرباح ، إلا أنها والعلم عند الله ستصطدم بعوائق مستقبلية، وكل تلك التوقعات لا تعدو أنها وجهة نظر بشرية قاصرة، والأمر كله بيد الله.
حينما يُذكر العقار ندرك أن الكثير من تجاره لم يكن شيئا مذكورا، وأن تلك المساحات الهائلة من التراب كانت بداية غنى الكثير منهم، بل إن الوصول إلى الأصفار الستة كان أمرا مستحيلا، وسرعان ما أصبح الكثير ينظر إلى ما فوق ذلك، ولو تتبعنا أولئك المستحكمين على تلك المساحات الكبيرة من الأراضي البيضاء، وجدناهم لم يقدموا شيئا يذكر للبلد أو للمواطن، فلا مال يُنتج ولا توظف استحدث، بل إن الكثير منهم يردد مقولة مشهورة “خلها تضربها الشمس، أنت بتصرف عليها !” ، ثم خرج من بين أولئك تلاميذ مضاربون ساد سلوكهم على السوق، حتى أصبح ينذر بخطر قادم، وبرع العقاريون في استغلال ذلك في خلق جو من القلق لدى الراغبين في الشراء من المواطنين، وتنوعت الحيل والخداع في صورة زُينت لتخدع ذلك المواطن ليقع في فخ ما بين عقار لا يساوي حفنة تراب وبين قرضٍ لشراء مسكنا له يعيش تحت وطأة ذلك القرض أكثر من نصف عمره الوظيفي ، والسؤال الذي غفل عنه الكثير، سواء هوامير العقار، أو الراغبين في الشراء ، إلى أي مدى ستبلغ الأسعار ؟ ولك عزيزي القارئ أن تطلق مخيلتك لتبحث في عواقب ذلك.
لا تكاد تخلو دولة من مشكلة السكن، وتوفير ذلك الحق لمواطنيها، إلا أن درجة المشكلة تختلف في حدتها وتعقيدها من بلد لآخر، فغياب الأنظمة التي تحمي المتعاملين في السوق وتمنع الاحتكار وتحد من المضاربات إضافة لانعدام الضرائب تزيد من حجم المشكلة، بينما وجود ضوابط تنظم السوق وأداءه حتما ستقلل أو تحد من حجم المشكلة، ومن دون شك أن تزايد السكان يقابله زيادة في الطلب على السكن، وأن العرض والطلب لو ترك لقواعد السوق خصوصا لدينا لما أمكن للمواطن أن يمتلك مسكنا له ولأسرته، وربما يمتد ذلك لأحفاده.
لو تتبعنا القرارات والخطوات التي اتخذتها الدولة وفقها الله، سواء أكان ذلك في قرارات ملكية، أو من خلال جهات رسمية، نجد أنها تصب في مصلحة المواطن، بداية من إنشاء وزارة للإسكان تقع عليها مهمة ربما هي في أهميتها بعد الأمن والدفاع، نجد أن تلك القرارات إيجابية في مضمونها ، ومثال ذلك رفع سقف قرض الصندوق العقاري، وقيام وزارة العدل بإلغاء صكوك أراضي في بعض مدن المملكة التي تبلغ قيمتها السوقية 500 مليار ريال، واعتماد وزارة الشئون البلدية والقروية تخصيص أراض لوزارة الإسكان في بعض المدن، كان أخرها تخصيص قطعة أرض مساحتها 38 مليون متر مربع شرق مدينة الرياض، والتوجيه الكريم بالإسراع في إنهاء الأرض التي تنازلت عنها وزارة الدفاع في منطقة حائل لصالح وزارة الإسكان، وآخر ذلك ما أُحيل لهيئة كبار العلماء من مشروعية فرض رسوم على الأراضي البيضاء التي تقع داخل النطاق العمراني، كل تلك الإجراءات مؤشرات على رغبة الدولة الأكيدة في حل مشكلة السكن، والوقوف في صف المواطن، وحمايته من جشع السوق، والتصدي للمعوقات التي قد تحول دون ذلك.
إلا أننا نسمع ونقرأ من البعض من يشكك في برامج الوزارة خصوصا ممن تقدم بطلب وينتظر دوره لدى الوزارة ، بل إن البعض يقول لم نجد لها أثرا على أرض الواقع منذ إنشاءها، وكأن الوزارة تُعد قهوة ينتظر كل منهم دورها ليحتسي فنجال منها !
بالأمس كان البعض مروجا للشائعات الذي ينشرها العقاريين حول فشل وزارة الإسكان، وأن الأسعار سترتفع قريبا ، فإذا هو اليوم مصدر تلك الشائعة فتارة يشكك في برامج الوزارة، وتارة يُخوف الآخرين بردة فعل من هوامير العقار ، حتى وصل البعض منهم أن يسخر ويقول “الوزارة عجزت أن تجد مقرا لها فكيف ستؤمن مسكنا للمواطنين”، وأحب أن أتوجه ببعض الأسئلة لأولئك
هل يدرك أولئك حجم المشكلة التي أُلقيت على وزارة عمرها لا يتجاوز 3 سنوات؟
هل كلف الواحد منهم نفسه يوما وقام بزيارة للوزارة واطلع على ما تقوم به ؟
هل سأل أحدهم نفسه كم ملف للسكن تتعامل معه الوزارة؟
هل يدرك أولئك المعوقات والصعاب التي تواجهها الوزارة، وفي كل منطقة؟
هل يدرك أولئك حجم العقود التي نفذتها وتسعى لتنفيذها، إضافة للجهد والإشراف في متابعة تلك المشاريع؟
لم نكن يوما نسمع بعروض تسويقية لشراء أو تسويق منتج عقاري، ولو قيل لأحدنا أن شراء عقار ما يحصل المشتري على هدية وإن كانت رمزية بحجم ما أنفق، لضحِك بملء شدقيه ، فمن يعرف السوق يجزم باستحالة ذلك.
إن حالة الركود التي أصابت السوق هذه الفترة، أدت إلى عروض تسويقية لم نعهدها من قبل، خصوصا وأنها كانت قبل أن تقوم وزارة الإسكان بتنفيذ بعض برامجها الإسكانية، فكيف سيكون حال السوق لو بدأت في توزيع منتجاتها، ولعل الركود وتلك العروض دليلا واضحا على حالة القلق والتشويش الذي يعانيه أولئك العقاريين، ومؤشرا بإذن الله على موجة تصحيح للسوق العقارية، وأن السوق مقبلة على انخفاض، ولن يكون ذلك بين عشية وضحاها، ولكن ربما بدأ أفول نجم العقاريين .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال