الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
AbdullahHabter@
قبل عام 2001 لم يكن الكثير من الناس يعرف من سوق الأسهم سوى الاكتتابات التي تطرح بين فترة وأخرى، يحصل غالبا كل مكتتب في نهاية الاكتتاب ما يرغبه من أسهم، ثم بدأ صوت خافت يدندن حول مسامع الكثير ذو نغمة خاصة هيجت ما تتوق إليه النفس البشرية من حب المال والرغبة في الثراء، خصوصا وأن ذلك الثراء لا يحتاج سوى حساب بنكي وحاسب آلي لبلوغ أماني اعتلت موجة اشرأبت لها أعناق الكثير، ساعد في ذلك أمور كثيرة منها دعوات للاشتراك في محافظ استثمارية، وتسهيلات في التمويل، وبطولات يرويها أصحابها حول أرباح تحققت لهم دون جهد يذكر، ومبالغ تضخمت به محافظهم، بل إن البعض لم يحلم يوما أن يصل رصيده لمئات الآلاف من الريالات، فظلا أن تلك المكاسب ولدت شعورا بمدى الاحترافية التي وصل إليها البعض ، وأصبح الكثير يحترف التحليل الفني ويعطي توصياته التي غالبا ما تصيب، والسبب أن السوق في مرحلة نشاط قوي وكأن المثل ” رمية من غير رام” يترجم تلك التوصيات.
ومع زيادة النشاط في السوق أخذ البعض في بيع ممتلكاته والبعض الآخر في الاقتراض أو لاستدانة رغبة في دخول السوق، أو مزيد من الدعم وتحقيق مكاسب أكبر، ومع استمرار المؤشر في تحقيقه لارتفاعات متتالية، غفل الكل عن تساؤلات تعطي إجابة منطقية لما هو متوقع أن يحدث في السوق مستقبلا، وفي خضم تلك المضاربات إذ بالمؤشر يبدأ مرحلة جديدة، مغايرا لاتجاهه الذي كان عليه، وكأنه بدأ شغوفا باللون الأحمر، سعيدا بزيادة ضحاياه، معلنا عن انهيار وشيك.
أخذ الكثير يلقي بالتهم حول أسباب انهيار السوق الذي حدث عام 2006، ما بين متهم للبنوك وقيامها بتسييل المحافظ، ومتهم للمجموعات التي تقوم بتحريك السوق لصالحها، وأخر ينسب ذلك للتوصيات التي انخدع بها الكثير، لدرجة أن اليد الخفية التي يُنسب إليها دائما أي إخفاق يحدث لم تسلم من ذلك الاتهام، في حين أن المتهم الأول والخاسر الخفي هو ذلك التفكير الذي كان بعيدا في اتخاذه للقرار عن أسلوب منطقي يقود بإذن الله إلى نتائج مرضية.
كان مؤشر السوق يعطي اتجاه إيجابيا حتى تجاوز 20 ألف نقطة، والسؤال الذي يحتاج لإجابة منطقية، هل يُعقل أن يستمر في ارتفاعه التضخمي، والذي لا يعكس أرباح أو أداء للشركات المدرجة فيه، بل السؤال الذي لا يحتاج إلى تفكير منطقي أكثر عمقا، هل من المنطق أن يُتداول سهم بمئات الريالات فضلا عن الآلاف في حين أنه لا يحقق ربحا يستطيع صاحبه أن يشتري به قطعة حلوى.
بعد أن أفاق الخاسرين من ذلك الانهيار، إذ بالعض منهم يتجه للعقار أملا في الحصول على قطعة أرض، أو مسكنا يخفف به خسارته الكبيرة التي حدثت في سوق الأسهم، خلال تلك الفترة زاد النشاط العقاري، واستغل العقاريين القلق الذي أصاب السوق، فكثر المسوقين، وزادت المضاربات في العقار، حتى أصبحت قطعة الأرض التي تساوي بضعة آلاف من الريالات تُقيَّم وتباع بمئات الآلاف، خلال تلك الفترة كانت التسهيلات البنكية في أوج نشاطها، فأصبح من يرغب في شراء مسكنا يبلغ سعره السوقي على سبيل المثال مليون وست مئة ألف ريال يتحمل فوق ذلك ما لا يقل عن مليون ريال نتيجة لتمويل يحصل عليه، ليصبح المبلغ لذلك المسكن يزيد عن مليونين وست مئة ألف ريال.
وفي هذه الفترة نرى الجهود التي تقوم بها الدولة وفقها الله في سبيل حل مشكلة السكن، والتي كان آخرها ما أمر به خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله ورعاه، ووفقه لكل خير، من تخصيص 20 مليار لتنفيذ خدمات الكهرباء والمياه، كل تلك الجهود بدأت تتضح علاماتها من خلال المنتجات التي طرحتها الوزارة، وأخرى تحت التنفيذ، إضافة لما أحدثته من تأثير على السوق والمتمثل في الركود الذي حدث ، والقلق لدى العقاريين، حتى أن البعض أوقف استثماراته العقارية، فالسوق لم تعد مشجعة.
إن المتأمل في ذلك وفق تفكير منطقي يخرج بنتيجة تدعوه أن يتريث قليلا أو يحجم عن الشراء، بل أن يبقى في قائمة الانتظار لعشر سنوات أفضل من أن يكون دخله غذاء يسيرا لتلك القروض .
إن التفكير المنطقي إذا غُذي بمدخلات – معلومات – دقيقة ؛ خرج صاحبه بقرار سليم إذا أغفل هوى النفس ورغباتها، والتي غالبا ما تخالف ما توصل إليه من قرارات، والفيصل بين التفكير المنطقي والهوى، هو تلك العواقب التي تحصل بناءا على أحدهما.
وفي الختام إن التفكير المنطقي الذي كان الخاسر الحقيقي في قرار الاستثمار في سوق الأسهم أمام رغبات النفس، هل يكون هو الكاسب هذه المرة أمام القلق والرغبة في شراء عقار متضخم، أم تُعاد الكرة ويخسر ثانية .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال