الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
اقتصادية سعودية
يبدو أن الذنب النووي الايراني لن يغفره المجتمع الدولي ولن ينتهي الجدل حول هذا الملف إلا باتفاق نهائي تلتزم فيه ايران بالاستخدام السلمي فقط . وفي الحقيقة أن النقاش بل حتى التفاوض أيضا مع هذا الملف استغرق الكثير من الوقت والذي فضّل فيه المجتمع الدولي استخدام العقوبات الاقتصادية كخيار ضغط غير عسكري
وقد أثارت هذه العقوبات جدلا واسعا حول مدى فاعليتها في التأثير على الإقتصاد وكان معظم الشك ينبع من أن ايران اكتسبت اللياقة الكافية للتعامل مع العقوبات وتداعياتها نتيجة خبرتها الطويلة في ذلك منذ الثورة الإيرانية، فهل استطاعت هذه العقوبات بشقيها الاحادية والدولية أن تمثل ضغطا كافيا على الإقتصاد الإيراني يستدعي العدول والعزوف عن قناعاتها؟ وهل استطاع الاقتصاد الايراني منذ تطبيق العقوبات أن ينمو بمعزل عن تأثير هذه القيود المفروضة؟
وبالعودة قليلا إلى قرارات مجلس الأمن الصادرة منذ 2006 نجد أن العقوبات تدرجت في شدتها وشمولها إلا أن العقوبات الأمريكية -الأوربية خلال السنوات الأخيرة وتحديدا منذ 2011 أعطت تأثيرا هاما في مسيرة هذا الملف من خلال توسيعها لدائرة الحصار.
وقد جاءت هذه العقوبات في مجملها مُركزة لإضعاف جانبين أولهما يتعلق بهيكل الاقتصاد الذي يعتمد على النفط والغاز وما يتصل به من انتاج وتصدير وتكرير وتمثل ذلك في حظر للصادرات النفطية والاستثمارات الاجنبية والتكنولوجيا ذات الصلة بهذا القطاع وثانيهما هو عرقلة وصول التمويل من خلال حظر التعاملات والتحويلات المالية فهناك مليارات الدولارات المجمدة في عدد من المصارف الدولية لصالح أفراد أو كيانات ايرانية.
نتيجة ذلك ، انخفض إنتاج النفط الخام بشكل ملموس حيث وصلت كمية الإنتاج في عام 2013 إلى 3.11 مليون برميل و يعد هذا أقل مستوى للكميات المنتجة منذ 91 م ، كما و سبب قرار الحظر أيضا انخفاض صادرات النفط الخام إلى النصف وهذا يعني من جانب آخر فقدان نصف العائدات النفطية ، أي خسائر مباشرة لإيرادات المالية العامة ولم يقتصر ذلك على الموازنة بل ترتب على انخفاض الصادرات نقص شديد في العملة الصعبة وتراجُع للريال الإيراني مقابل الدولار ، فمنذ أغسطس 2006 إلى تاريخ كتابة المقال تراجعت العملة بمايقارب من 208% مع حالة من عدم الثقة في الاقتصاد من قبل المودعين.
والذي يتضح أن تكلفة العقوبات على الاقتصاد الايراني كانت ومازالت كبيرة وقد أفقدت هذه العقوبات مكاسب نمو ممكنة كان يمكن أن تتحقق للاقتصاد في ظل عدم وجود عقوبات ،حيث سبب الحظر على الصادرات النفطية وحزمة أخرى من العقوبات انخفاض النمو الاقتصادي بمقدار -5.8% لعام 2013 وعاشت ايران منفردة بهذا التراجع في الوقت الذي لم تشهد فيه بقية اقتصاديات دول العالم تراجعا مماثلا ماعدا السودان.
و ساعد هذا الضعف في تقوية الرغبة لإعادة التفاوض، وبالفعل أجريت مفاوضات في نهاية 2013 أبدت فيها ايران التزامها بالحد من أنشطة برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات وكانت نتيجة هذه الخطوة هي استمرار الانكماش ولكن بنسبة أقل.
ومما صعب الوضع أن الانكماش في النمو تزامن مع معدلات تضخم عالية حيث وصلت نسبة التضخم في 2013 إلى ما يقارب 40 % وهي نسبة لم يمر فيها الاقتصاد الايراني منذ الستينيات الميلادية إلا مرة واحدة ، علاوة على أن الاقتصاد العالمي لم يعاني في هذا العام من تضخم مرتفع يذكر باستثناء فينزويلا، والمعروف اقتصاديا أن هذه النسبة عالية ويصعب التكيف معها.
و من المهم الإشارة إلى ملاحظتين الأولى، أن الاقتصاد الإيراني واجه هذه العقوبات بالمحاولات المستمرة للتكيف والمقاومة وايجاد حلول بديلة فقد جربت ايران المقايضة و حاولت تعزيز الشراكة التجارية مع روسيا والأسواق الآسيوية وسعت إلى اطالة المفاوضات للاستفادة من الوقت وخفض تكلفة العقوبة إلا أن طول فترة الحظر وامتداده لسنوات جعل من تبعاته أمرا خانقا للاقتصاد -وفي حال- استمرار هذه العقوبات أو رفعها أو تشديدها فإن ذلك سيؤدي إلى انزلاق الاقتصاد فيما يسمى بـ التضخم الركودي Stagflation
الثانية ، إن رفع العقوبات سيعيد للاقتصاد الإيراني قوته وتعافيه فالعقوبات خلال السنوات الأخيرة خلقت له حالة من العزلة الإجبارية سواء على مستوى التجارة العالمية أو حتى النظام المصرفي ولا شك بأن رفع العقوبات سيفتح باب العودة للاستثمارات والتكنولوجيا و العملة الاجنبية و سيعيد وتيرة النمو ،ولكن ليس من المتوقع أن يتحسن المستوى العام للأسعار تماما و يعزى السبب إلى أن جزءا من ارتفاع الاسعار كان ناتج من تأثيرات الإصلاح الاقتصادي المرحلي الذي قامت به ايران وتحديدا برنامج اصلاح الدعم المقدم من الحكومة لسلع أساسية كالخبز والطاقة
إن القول بان الاقتصاد الايراني لم يمسه سوء من العقوبات الأحادية و الدولية قول يحوي الكثير من اللغط ،فقدرته على المقاومة ارتبطت بدرجة العقوبة وشمولها إلا أن تركيز العقوبات على القطاع النفطي والمعاملات المالية قد أنهك الاقتصاد كثيرا.
السملق
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال