الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
مستشار قانوني
تُعد سلسلة متاجر جون لويس البريطانية «John Lewis Partnership» إحدى الشركات التي استطاعت أن ترتقي بآمال الموظفين من مجرد التدرج الوظيفي إلى الملكية التجارية فيها، فأصبح كل موظف شريكٌ فيها، ولديه فرصة للتأثير على العمل من خلال فرع المتجر الذي يعمل فيه، بحيث يناقش قضاياه وأنشطته التجارية والاجتماعية، ويُحكم من قبل مجلس شراكة يتكون من شركاء ينتخب 80% من ممثلي المتاجر. والشراكة هذه لها طابع اجتماعي لشركائها عبر برامج تتيح الاستفادة من ملاعبَ ونوادٍ للغولف، وفنادقَ للعطلات، وفرص للإبحار بيخوت للشركاء، مما يدل أنها ناجحة اجتماعياً وتجارياً بتحقيقها أرباحاً تقدر بعشرة مليارات جنيه استرليني، ويبلغ عدد موظفيها 91.000 موظفاً، كما أن لديها شركات تابعة من أبرزها سلسة «Waitrose» محلات سوبر ماركت راقية والتي استحوذت على عدد من البقالات المتوسطة والصغيرة، وقد لفتت أرباحها انتباه صندوق التقاعد الذي استثمر فيها بقرابة 29%، وكانت تلك المحلات أول من يقدم خدمة التوصيل المجاني، وخدمة الشراء عبر بطاقات الولاء التي تعطي مكافآت على الشراء وائتمان قصير الأجل.
إن هذا النوع من الشراكة «Partnership» هو استثمار لطاقة الشباب في البحث عن عمل بالإضافة إلى تحفيز قدراتهم التجارية بالانضمام كملاك، واقتناصهم للفرص الاستثمارية التي تنمي هذا الكيان التجاري. لاسيما في مجال الخدمات الاستهلاكية التي تحتاج إلى ديناميكية في التعامل التجاري، والتأقلم مع حاجة المستهلك ورغباته المتغيرة.
من جهة أخرى لا يُستبعد أن تكون مثل هذه الشراكات منتشرة في الخليج بإدارة الوافدين!!، حيث تطالعنا التقارير أن الأجانب يسيطرون على 200 ألف محل تجاري و54 ألف بقالة في السعودية التي يُقدر حجم أعمال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فيها بنحو 140 مليار ريال مقابل 20 مليارًا للشركات الكبيرة؛ ليكون حجم السوق التجاري المحلي ما لا يقل عن 160 مليار ريال. هذه الإحصائيات مؤلمة إذا ما قُورنت بحجم البطالة التي يعاني منها الاقتصاد السعودي، والفرص غير المستغلة والثروات المهدرة.
ولم يُحقق قرار «منع البقالات التي تقل مساحتها عن 400 متر مربع من ممارسة نشاطها إلا بعد سعودتها وأن يكون صاحبها السعودي على رأس العمل فيها» معظم الأهداف المتوخاة منه؛ لأنه أدى إلى توسعة كثير من البقالات الصغيرة، وعجز أغلبها على مقاومة عروض مراكز التجزئة الكبرى «والهايبرماركات» التي اكتسحت نشاطها التجاري، مما جعل أكثر من 18 ألف بقالة مهددة بالإغلاق. كما كشف هذا القرار عن واقع تسترٍ تجاريٍّ يعتمد فيه ذوي الدخول البسيطة على دخل تلك البقالات. في المقابل انتهزت «شركة بندة» هذه الفرصة ودشّنت سلسلة متاجر «بندتي» كبديل للبقالات الصغيرة. فبَينَ منافسة العمالة الأجنبية، وغطاء التستر التجاري، واكتساح الأسواق الكبيرة لنشاط البقالات والمراكز التموينية الصغيرة تتَضَاءل فرص استثمار الأفراد في سوق تقدر مبيعاته السنوية 140 مليار ريال، وتشير الإحصائيات إلى أن قطاع التجزئة يضم قرابة 600 ألف فرصة عمل يمكن سعودتها.
تَتنَوع الأدوات التجارية لتنمية المشاريع الصغيرة ومساعدة الشباب على دخول سوق العمل كأربابٍ للأعمال أكثر من كونهم مجرد موظفين، لاسيما في مجال المتاجر الصغيرة والمحلات الاستهلاكية. فمن من تلك الأدوات: تجربة متاجر جون لويس البريطانية السابق ذكرها التي تجعل طموح الموظف المهني يتحول إلى ملكية، ومن الأدوات التجارية أيضاً التعاون بين الشركات الكبيرة وراغبي الاستثمار والعمل وذلك بممارسة أعمالها تحت مسماها التجاري عبر تنظيم الامتياز التجاري «Franchising». ومن الأدوات والمبادرات التي تأّخر تفعيلها هي «سعودة نقاط البيع عبر طرق دعم إنشاء الجمعيات التعاونية الاستهلاكية»، والتي تتمثل في احتواء قرابة 100 بقالة تحت شركة تعاونية واحدة، بهدف دعم الشباب السعودي لدخول القطاع، فيبدأ الشاب كموظف في المحل وينتهي به الأمر مالكاً له، بعد أن يثبت جديته ومقدرته على العمل، وهذه الفكرة هي نواة عودة التجارة العائلية «Family Business» التي تراجعت بعد طفرة الثمانينات الاقتصادية. ومن المؤُمل أن تُسهم تلك الجمعيات في محاربة الغش والاحتكار، وكونها منافذ تسويق للمنتجات المحلية من خلال التعاون مع كل من الجمعيات التعاونية: للمزارعين، وصيادي الأسماك، ومنتجي التمور.
بتاريخ 15 رجب 1435هـ الموافق 12 مايو 2014م أقر مجلس الوزراء عدداً من الترتيبات بعد تقرير رفعته وزارة الداخلية بشأن «ظاهرة سيطرة الأجانب على بعض الأنشطة التجارية» تمثلت في أولاً: دعم وزارة التجارة والصناعة بشرياً ومادياً لتمكينها من تطبيق نظام مكافحة التستر على الوجه المطلوب، وقيام الجهات التي تصدر التراخيص بتكثيف الجولات التفتيشية وإبلاغ وزارة التجارة والصناعة بما تكشفه من مخالفات التستر. ثانياً: قيام وزارة الشؤون الاجتماعية بدراسة إنشاء الجمعيات التعاونية الاستهلاكية وتوسيعها. ثالثاً: قيام وزارتي الداخلية والعمل بالاستمرار في سعودة الأنشطة التجارية والمهن التي يُرى أنها ذات مردود مادي جيد ومحل إقبال من المواطنين. من جهة أخرى فقد خرجت لجنة حكومية بعدد من التوصيات وطرح فكرة دمج الخدمات، كالصيانة والسباكة والكهرباء والتكييف والتبريد في كيانات موحدة؛ وتكون عن مقدم خدمة عبر الاتصال الهاتفي كما هو معمول به في الكثير من الدول، على أن يتم تطبيق ذلك على بقية الأنشطة التجارية العاملة في مجال قطاع التجزئة؛ لضمان نظامية عمل الوافدين. وترى وزارة العمل أن الجمعيات التعاونية الاستهلاكية وسيلة ملائمة «لفرض» سعودة البقالات من أجل محاربة احتكار العمالة الوافدة لها.
هذه الترتيبات والتوصيات تحتاج إلى جهة تفعيل ومتابعة مركزية تختصر مسافة الزمن، وتقفز على كثير من الإجراءات الرتيبة، وتستشرف المستقبل، حيث مضى على تلك الترتيبات أكثر من عام، ولم يشهد الواقع لذلك أثراً على نسب السعودة أو حَدَاً من هيمنة الوافدين على الأنشطة التجارية. إنَّ ملف البطالة والعمالة الوافدة مرتبطٌ ومتشبعٌ يحتاج إلى هيئة عليا ذات صلاحيات واسعة لتحقيق الأهداف الوطنية وخدمة الاقتصاد الوطني.
الهبوب
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال