الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
أستاذ المالية والتأمين الإسلامية المساعد
Aysha_AlSalih@
تطرقت في مقال سابق عن سوق الصكوك في المملكة العربية السعودية وكيف أنه يعاني من تراجع كبير في التنظيم والإشراف، وافتقاره لمجلس شرعي مركزي مستقل للتنظيم والإشراف على أنشطة المصارف الإسلامية مثلما هو الحال في ماليزيا.
إن التجربة الماليزية أصبحت اليوم تصدر إلى العالم، وأصبحت تستقطب المتميزين من العلماء والباحثين في مجال الصيرفة في العالم من خلال العمل في ماليزيا أو من خلال تقديم تجاربهم من خلال المؤتمرات وورش العمل والمحاضرات أو الاستشارات، للإسهام في نهضة هذا القطاع. كما أن ماليزيا اليوم تعد من أكثر الدول في العالم التي تقدم الصكوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، والتي تنبني على عقود المشاركة والإجارة والمرابحة والإستصناع.
الصكوك الاسلامية الماليزية يتم اصدارها وفقا لمبادئ الشريعة المسموح بها من اللجنة الاستشارية الشرعية في هيئة الأوراق المالية الماليزية، ويتم اصدار الصكوك الإسلامية من الشركات الخاصة والتعامل بها تحت رقابة هذه اللجنة، وأما الصكوك الإسلامية الحكومية فهي خاضعة لمراقبة البنك المركزي الماليزي. وتصدر هذه الصكوك على أساس عقود شرعية وبضوابط تنظم اصدارها وتختلف أحكام الصك تبعا لاختلاف العقد أو الصيغ الاستثمارية التي صدر الصك على أساسها ويخضع تداولها للشروط الشرعية المتعلقة بطبيعة الموجودات التي تمثلها عند التداول وإحدى خصائصها العائد على أساس الفائدة التي هي نسبة من الربح المتحقق وليس على اساس الفائدة التي هي نسبة ثابتة من رأس المال وتتماشى أداوتها وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية وضوابطها، فالصكوك الماليزية تنقسم من حيث اصدارها إلى صكوك حكومية وصكوك إسلامية للشركات.
قدمت ماليزيا حلا شاملا لتطوير أنشطة سوق الصكوك من خلال توفير منصة تداول وإصدار صكوك كاملة حيث يتم دعمها من قبل أربعة عناصر: مجموعة واسعة من الأدوات المالية الإسلامية، وبنية تحتية قانونية وتنظيمية قوية، وإطار متين لحوكمة الشريعة الإسلامية، وسهولة توريد مواهب مؤسسة بشكل ممتاز. هذه العناصر أيضا يتم تعزيزها من قبل النظام المالي الإسلامي الشامل بماليزيا بالإضافة إلى أساس مكونات النظام المالي التي تتألف منها الخدمات المصرفية الإسلامية، والتكافل، والمال الإسلامي وأسواق رأس المال التي هي الآن في مرحلة متقدمة من التطور. هذه الأجزاء المختلفة من النظام المالي الإسلامي لا تقوم فقط بتسهيل إصدار و توزيع أوراق ولكن أيضا لخلق طلب قوي للصكوك من خلال توفير قاعدة مستثمرين واسعة.
إن سيطرة السوق الماليزية على إصدارات الصكوك عالميا يرجع إلى جودة مناخ العرض والطلب محليا ودوليا لإصدارات الصكوك الماليزية، إضافة لتوفر السيولة بنسبة مشجعة على الاستثمار. إلى أهمية الترويج والدعم الحكومي القوي لسوق الصكوك، إضافة إلى اعتماد الصكوك السيادية كأداة لتطوير البنى التحتية للدولة، ما يبعث الثقة لدى المستثمرين ويطمئنهم من عدم وجود تعثر لهذا النوع من الصكوك.
إن تفوق ماليزيا في الصناعة المالية الإسلامية يعود لعدة أسباب: 1- تأسيس بنية تحتية متكاملة من خلال الإهتمام بالنواحي التشريعية والتنظيمية، فضلا عن تأسيس عديد من المؤسسات التعليمية والتدريبية والبحثية المتخصصة في مجال التمويل الإسلامي بهدف دعم صناعة التمويل الإسلامي من خلال تكوين الكوادر التي تحتاج إليها وإكسابهم المهارات والمعارف المتخصصة في هذا المجال. 2- تأسيس المركز الماليزي المالي الإسلامي الدولي الذي تم تأسيسه من قبل الحكومة الماليزية لخدمة الصناعة المالية الإسلامية. 3- استمرار البنك المركزي في تقييم مدى التزام المؤسسات المالية الإسلامية بمبادئ الشريعة الإسلامية والإجراءات الإدارية الرشيدة.
إن صناعة الصكوك الإسلامية بماليزيا حققت نموا مطردا سنويا بلغ نحو (22%)، وباتت تشكل نحو (28%) من حجم تداولات صناعة التمويل والصيرفة الإسلامية في البلاد ليصل إلى (33) مليار دولار أمريكي في عام 2013م عن (3) مليارات دولار أمريكي في عام 2001م وفي العام 2014م أصدر البنك المركزي الماليزي صكوكاً بقيمة (45) مليار دولار من إجمالي الصكوك المصدرة عالميا وقيمتها (116.4) مليار دولار.
وهذه التجربة لا يمكن أن نصفها بالكمال، ولكن هذه التجربة لم تتجاهل النقص الحاصل فيها، بل إن هناك اتجاها كبيرا لتشجيع المتخصصين في العلوم الشرعية لدخول هذا القطاع وتقديم البحوث والدراسات والتأصيل الشرعي لقضايا المصرفية الإسلامية، وبالحديث مع كثير من المتخصصين في مجال المصرفية الإسلامية نجد أن هناك تأكيدا وبرامج عملية الآن لتحفيز طلبة العلم الشرعي للدخول إلى هذا القطاع، كما أن هناك حرصا على تضييق مساحة الخلاف بين العلماء في ماليزيا والعلماء في منطقة الخليج، خصوصا في مسائل مثل ما يتعلق بمسألة العينة وبيع الدين. ولاشك أن الخبرة الماليزية وتطور قطاعها المالي قد ساعدها كثيرا في الحصول على السبق في هذا المضمار.
الصالح
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال