الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
رئيس تنفيذي لشركة استثمارية – دبي
ahmad_khatib@
الاستراتيجية أساسا كلمة مرتبطة بالإدارة العسكرية وتعني خطة عملية تم تصميمها للوصول إلى أهداف مستقبلية بعيدة المدى، ويصفها البعض بكونها فن توجيه الخطط والعمليات والتكتيك والموارد المتوفرة أو التي ستتوفر لاحقا لخدمة الأهداف الموضوعة. وقد برز في التاريخ العسكري قادة تميزوا في القيادة الاستراتيجية من حيث تركيزهم على كسب الحرب وليس المعارك الصغيرة باعتبار الحرب هي الهدف المستقبلي. فيما بعد أصبح مصطلح الاستراتيجية يستخدم في السياسة والإدارة وشتى أمور الحياة باعتباره فنا يتميز به القادة الناجحون والذين من السهل الإشارة إلى الأهداف التي حققوها من خلال إدارتهم لمعاركهم..
احتفلت المملكة العربية السعودية قبل أيام بيومها الوطني ال ٨٥ وهو اليوم الذي أعلن فيه الملك عبدالعزيز رحمه الله تأسيس الدولة وتوحيدها بحدودها المعروفة اليوم، إلا أن العمل على الأهداف بدأ قبل ذلك بحوالي ٣٠ سنة. تعرفت على تاريخ المملكة بداية من خلال دراستي المدرسية وكان واضحا أن الإنجاز كان كبيرا. لكنني فيما بعد ومن خلال دراستي وعملي في الإدارة بالإضافة إلى اهتماماتي الشخصية في التاريخ، وجدت في عمل الملك رحمه الله منذ البداية إدارة استراتيجية مبهرة. في الاستراتيجية والقيادة، اعتقدت دائما أن المواهب القيادية والاستراتيجية تأتي بالفطرة وليس بالدراسة والعلم مع عدم اعتراضي على دراستها. لذلك شدني دائما البحث في تاريخ القادة الذين حققوا إنجازات كبيرة بدون أن يذهبوا إلى الجامعات لأننا تعلمنا في الجامعات ما كتبه الأكادميون لكن لنتعلم من القادة الحقيقيين يجب علينا قراءة تاريخهم.
أولا وقبل مناقشة بعض الخطوات الاستراتيجية التي اتبعها الملك المؤسس يجب أن نشرح ما هو الهدف الذي عمل من أجله ونجح في تحقيقه. أسس الملك عبدالعزيز كيانا ضخما في مساحته وفي تأثيره. مساحة، هو أكبر من أوروبا الغربية، وتأثيرا هو مركز العالمين العربي والإسلامي مع ما يتبع ذلك سياسيا واقتصاديا من قوة وفعالية.
يعتبر الكيان إنجازا كبيرا لأننا بعد أكثر من 115 عاما نعرف الكيانات التي تأسست وسقطت وتلك التي كبرت وتضخمت ثم هوت كأنها لم تكن. يجير البعض ذلك إلى أموال النفط، إلا أن ذلك سهل توضيحه لسببين. أولهما أن المملكة تأسست بشكلها الحالي الموحد قبل ظهور النفط وثانيا لأننا رأينا كيف أن دول نفطية غنية جدا لم تصمد برغم الأموال التي تدفقت عليها. في الإدارة الاستراتيجية لا يكفي أن تكون قويا أو على حق لتنجح ولكنك يجب أن تعرف متى تأخذ القرارات وكيف تأخذها. يصف المؤرخ الشهير ليزلي ماكلوكلين إحدى أهم مهارات الملك عبدالعزيز بأنها قدرته على تقييم أصعب المواقف وأعقدها ثم تحديد لزوم اتخاذ قرار مصيري من عدمه. يعتبر الكثير ممن هم في موقع المسؤولية أنه يتوجب عليهم اتخاذ القرار فور نشوء وضع أو مسألة ما، إلا أن القائد الاستراتيجي يفكر دائما في الهدف البعيد ويحسب أبعاد القرار ثم يقرر أن يأخذ قرارا أو يؤجل ذلك. إن الطبيعة البشرية تتأثر بما يقع أمامها بكل تأكيد وإذا أحس الشخص بمسؤوليته تتعقد الأمور في رأسه فورا، لذلك أشرت أن التفكير الاستراتيجي فطري وليس مكتسب وهو ما أشار له ماكلوكلين.
في الاستراتيجية أيضا يلعب دور إدارة المخاطر وحساب الربح مقابل الخسارة دورا رئيسيا جدا في القدرة على مواصلة تنفيذ الخطط بدون تراجع. في مراحل تأسيس الدولة السعودية، اتبع الملك عبدالعزيز أساليب مختلفة حسب متطلبات المرحلة ولم يأخذ شعبه نحو مغامرات غير محسوبة مثلما فعل غيره. في البداية جازف وغامر انطلاقا من كونه يسعى لإيجاد قاعدة ينطلق منها لتحقيق أهدافه الاستراتبجية. لم يكن لديه ما يخسره في البداية فكانت المخاطرة مطلوبة. فيما بعد لم يستخدم نفس الأسلوب لأنه أصبح يقيس ما حققه وعرف أنه يجب أن يحافظ عليه مع تغير الظروف وأيضا كونه لفت أنظار اللاعبين الكبار في المنطقة. دعمت بريطانيا مثلا أعداء الملك في البداية فحاربها وأثبت وجوده. أصبحت قوته واضحة وقدرته على التوسع ظاهرة فلم يكن أمام البريطانيين إلا أن يتفاهموا معه وهو ماحصل، وبالتالي حقق ما يريده بدون أن يتجه لهم منذ البداية. في رأيي أن تعامل الملك مع الحرب العالمية الثانية كان أمرا حاسما أيضا، فهو أخذ الوضع المحايد ولم يراهن على أي من المتحاربين بل انصرف في تلك الفترة إلى تمتين وضعه الداخلي وبناء دولته. عند نهاية الحرب دعاه الرئيس روزفلت إلى الاجتماع التاريخي على ظهر الباخرة كوينسي الذي أسس لموقع المملكة كلاعب رئيسي في المحافل الدولية فكانت في نفس السنة عضوا مؤسسا في جامعة الدول العربية وفي منظمة الأمم المتحدة. المقصود هنا أن الملك بعد تأسيس دولته لم ينغلق عن العالم الخارجي بل استشرف التغيرات المقبلة وتأثيرها المحتمل وتعامل معها بشكل استراتيجي. كان الملك يتابع التفاصيل العالمية بشكل يومي حيث يقول السير ريدر بولارد، الذي عمل قنصلا لبريطانيا في جدة : “كان الملك يتابع التفاصيل من حول العالم فكانت تجمع له الأخبار من إذاعات كل الدول وتقرأ عليه يوميا بعد المغرب” . كان الملك في تلك الفترة يرسل مندوبيه إلى دول مختلفة للاطلاع على التطورات وتكوين الرأي حولها كما كان يستقبل الرحالة والدبلوماسيين والأدباء، فهو اعتبر المعلومات ضرورية ولم يشعر أنه بحاجة إلى الاختباء أبدا لأنه كان يرى النظرة البعيدة. يورد الأديب أمين الريحاني في كتابه كلاما قاله له الملك عندما رحب به حيث قال الملك : “كيف نرد من يبغي زيارتنا وهو من صميم العرب؟ قالوا إنك أمريكي جئت تنشر الدين المسيحي في البلاد العربية. وقالوا إنك تمثل بعض الشركات، وجئت تبغي الامتيازات، وقالوا إنك قادم من الحجاز وإنك شريفي تسعى لتحقيق دعوة الشريف. وقالوا غير ذلك. فقلنا إن كان في الرجل ما يضر فنحن نعرف كيف نتقيه، وإذا كان فيه ما ينفع فنحن نعرف أيضًا كيف ننتفع، ونحن أعلم يا حضرة الأستاذ بمهمتك.. بارك الله فيك.”. يلخص الترحيب بالريحاني أسلوب القائد الذي لا يبني أحكاما مسبقة بل يترك الأمر للفحص ثم التعامل معه فيما بعد. قد يبدو هذا الأمر بسيطا لكننا لو رجعنا إلى كيانات ولدت قوية ثم انغلقت لخشيتها من الاختراق ثم تفككت، لرأينا أهمية الاطلاع والانفتاح على العالم.
في النفط والمال، يمكن ذكر أمثلة كثيرة على دول وقادة حصلوا على الكثير من المال إلا أن نظرتهم كانت ضيقة أو شخصية فاختفوا من الوجود أو جلبوا الويلات لشعوبهم. منذ بداية ظهور النفط وعوائده، وجه الملك بوضع خطط البناء الاقتصادي فعلى سبيل المثال أصر رغم اختلاف بعض الاّراء من حوله على بناء خط السكك الحديدية من شرق المملكة الى الرياض وافتتحه بنفسه، وهو ما كان الحجر الأساس للنهوض الاقتصادي الذي شهدته العاصمة فيما بعد.
لو قارنا المملكة اليوم بعد كل تلك السنوات لوجدنا أنها أقيمت وتأسست على رؤيا لها مميزاتها وأساليبها، ولذلك تبقى صامدة بالرغم من ما تواجهه.
إنني كما ذكرت أعتبر الملك عبدالعزيز رحمه الله من القادة الذين كانت لديهم ميزة الرؤية الاستراتيجية بالفطرة وليس بالتعليم، ومن هنا كانت لدي اهتمامات في الموضوع. ليس المقال سياسيا ولا دعائيا، إلا إنني وجدت فرصة للكتابة عن المؤسس في ذكرى التأسيس. كل عام وأنتم بخير.
الخطيب
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال