الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
ناقشت في الأجزاء الثلاثة من مقالات هذه السلسلة وجاهة وآليات تكامل الهيئة العامة للأوقاف مع الهيئات و الصناديق الحكومية في تقديم خدمات مشتركة للمستفيدين ، وتطرقت لأبرز التحديات التي واجهت الأوقاف وحالت دون تنميتها فعطلت دورها في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، و وضحت – أيضا -أن الوقف مر عبر التاريخ الإسلامي بمراحل من التجديد و الابتكار تماشيا مع المتغيرات الاقتصادية و المجتمعية. و لما كانت نظارة الوقف مكون أصيل من مكوناته فلم تكن بمنأى عن التطور و التجديد فتماشت مع الوقف في تطوره و تجدده، فتوسع مفهومها فقها و قانونا ليشمل الصفتين الشخصية و الاعتبارية. النظارة هي الإشراف على الوقف و تولي أمره بما يصلحه، و قد أولتها الشريعة اهتماما بالغا لارتباطها الوثيق بنماء الوقف وصلاحه، فنصت على شروط أهلية الناظر، و ألزمته بواجبات ، و منعته من تصرفات ، و شرعت له أجرته ، و حددت مسؤولياته في نظام متكامل مرن هو بحق حوكمة بمعناها الحديث قديمة قدم الوقف نفسه. كما اشترط الفقهاء جملة من الشروط الواجب توافرها في ناظر الوقف و منها شرط الكفاية، و هي قدرة الناظر على التصرف فيما هو ناظر عليه بما فيه المصلحة. و الحق أن شرط الكفاية من أبرز التحديات التي واجهتها الأوقاف في العصر الحديث الذي تطورت فيه الأوقاف، و تعددت صور استثمارها، فصعب فيه الوصول للكفاءات القادرة على النهوض بالأوقاف وتنميتها. نصت المادة الخامسة من نظام الهيئة العامة للأوقاف على مهام النظارة المقرر أن تضطلع بها الهيئة، و هو أمر يستلزم تعيين نظار من منسوبي الهيئة العامة للأوقاف أو من خارجها إن دعت الحاجة إلى ذلك، الأمر الذي يتطلب إعداد كوادر مؤهلة تحقق شرط الكفاية المنصوص عليه فقها و قانونا. و أعتقد أنه من الخطوات العملية التي ينبغي للهيئة العامة للأوقاف أن تخطوها لإعداد كوادرها و تأهليهم هو الاستفادة من التجربة الناجحة لصندوق التنمية الصناعية في إعداد كوادر وطنية مؤهلة عم نفعها عددا من منظمات القطاعين العام و الخاص، كما أرى أن من تلك الخطوات أن تنسق الهيئة العامة للأوقاف مع وزارة التعليم لاستحداث برامج دراسات عليا لنظارة الأوقاف في كليات الإدارة بالجامعات السعودية، تمول تلك البرامج مشاركة بين الهيئة العامة للأوقاف و صندوق التعليم العالي الجامعي الذي من اختصاصاته تمويل كليات جديدة أو التوسع في الكليات الحالية التي تخدم سوق العمل. وقد ترى الهيئة الفتية – لاحقا – الترخيص لشركات تقدم خدمات النظارة الاستشارية والميدانية تشرف عليها الهيئة و تراقب عملها في تجربة تشبه إلى حد كبير تجربة هيئة السوق المالية السعودية. كما نصت المادة الخامسة من نظام الهيئة العامة للأوقاف على تولي الهيئة مهام النظارة على أوقاف مواقيت الحج و العمرة، و حيث أن مقتضى النظارة يستلزم التطوير و تعظيم المنفعة المتحققة من الوقف، فإنني أرى وجاهة تكامل الهيئة العامة للأوقاف مع الهيئة العامة للسياحة و التراث الوطني في تطوير أوقاف المواقيت تطويرا يتعدى زيادة مساحات مساجدها و مواقف السيارات و المحلات الملحقة بها ليشمل تأهليها لأن تكون محطات إقامة للحجاج و المعتمرين و ليست نقاط عبور فقط، كأن تنشأ بها فنادق ودور إيواء و أسواق و متاحف و مراكز مؤتمرات و مستشفيات و غيرها من عناصر الجذب السياحي التي تتناسب و حال المواقيت شرعا و طبيعة بيئية و جغرافية. و أختتم هذه السلسلة بما بدأتها به أن الوقف بمفهومه الاجتماعي و التنموي و الاقتصادي أبعد ما يكون عن الجمود، حتى قيل أن المسألة الوحيدة في الوقف التي أجمع عليها الفقهاء هي كونه قربة لله تعالى، تاركين المجال واسعاً أمام الاجتهاد و التجديد في الوقف شرطا و أنظمة و قوانينا. و أرى أن موافقة مجلس الوزراء الموقر على إنشاء الهيئة العامة للأوقاف هو تطورطبيعي لمفهوم الوقف، و إيذان بمرحلة جديدة زاهرة للأوقاف في المملكة العربية السعودية، يعزز فيها دورها في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية وفقا لمقاصد الشريعة. المقال الأول هنا المقال الثاني هنا المقال الثالث هنا النمري
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال