الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
رئيس مجلس إدارة مجموعة المهيدب
يبدو أن العالم مقبل على مرحلة اقتصادية حرجة يتباطأ فيها النمو وينكمش معدل الإنفاق العام وتتراجع وتيرة الإستثمارات، وهي حقبة فرضت نفسها على المشهد العام في العديد من الدول وعلى رأسها البلدان صاحبة الإقتصادات العالمية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان.
ولكون المملكة أحد أعضاء مجموعة العشرين التي أنشئت في العام 1999م لمجابهة مخاطر الأزمات المالية، فإنه من البديهي أن تتأثر بهذا المشهد وتأثيراته السلبية و أن تسهم في البحث عن حلول، خاصة بعد أن هوت أسعار النفط بنحو يلامس 70 في المائة مقارنة بما كانت عليه في يونيو من العام قبل الماضي. رغم ذلك، وجدنا حكومة المملكة تفاجئنا بموازنة جديدة للعام الجاري 2016ضخمة كالمعتاد يقترب فيها معدل الإنفاق العام من معدل أنفاق ميزانية العام الماضي ورغم تراجع أسعار النفط حالياً في إشارة صريحة وواضحة على أن المملكة حريصة على مواصلة برنامجها التنموي رغم أي معوقات اقتصادية طارئة.
وربما لهذا السبب أجد نفسي متفائلاً كثيراً بمستقبل المملكة الاقتصادي وقدرتها على تجاوز أي أزمات عبر تنويع مصادر الدخل، وعدم الإقتصار على دخل النفط. لذلك أستطيع التأكيد على أن الأزمات القوية العابرة تختزن في داخلها العديد من الفرص الاقتصادية التي تنبع في أذهان المبدعين والمخترعين وسرعان ما تكون أشبه بنظريات علمية، تُدرس في الجامعات وتسجلها صفحات التاريخ كما حصل في ماليزيا في تسعينات القرن الماضي، عندما قاد رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد بلاده إلى نهضة إقتصادية وإجتماعية يشهد لها العالم أجمع. ومن أزمة تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية تتجه بلادنا إلى إيجاد مصادر دخل جديدة وإنعاش قطاعات إقتصادية لم تحظ بالاهتمام الكافي في العقود الماضية، وهذا ما سعت إليه المملكة في ثنايا خططها وبرامجها الاقتصادية الجديدة للتغلب على تراجع أسعار النفط، فرأيناها تولي اهتماماً إضافياً بقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة بعدما أكدت أن الحاجة مُلحّة لتحقيق النمو في هذا القطاع لدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي وتوفير فرص العمل وتوليد فرص عمل مستدامة وحقيقية للقضاء على البطالة والتستر، وزيادة معدلات توطين القوى البشرية، تماشياً مع متغيرات وتطورات سوق العمل مع الوضع في الاعتبار أن نمو وتطور قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في كافة أنحاء العالم يواجه مجموعة من التحدياتتختلف من منطقة لأخرى ومن قطاع لآخر.
لقد أدركت الحكومة السعودية منذ وقت مبكر أهمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في تفعيل الأنشطة التنموية وتحويلها إلى محرك للنمو الإقتصادي والناتج المحلي للدول، كما عرفت أهميتها في تحقيق قيمة مضافة لأي اقتصاد في المجتمعات المعاصرة، باعتبارها العمود الفقري للقطاع الخاص، حيث تشكل نحو 97 في المائة من مجموع منشآت القطاع الاقتصادي في أي دولة من دول العالم.
وبجانب الاهتمام بقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، أعلنت المملكة عن توجههاً بتفعيل برامج الخصخصة لتشمل عدداً كبيراً من قطاعات الدولة مثل : المطارات والموانئ والتعليم والصحة، ولا شك أن الخصخصة لها فوائد اقتصادية لا يُستهان بها مثل تحسين الخدمات المقدمة للعملاء المستهدفين، والابتعاد على الروتين الحكومي، وتطوير الأداء، وإعفاء الدولة عن تقديم الدعم المتواصل لهذه الجهات، إلى جانب دعم الاقتصاد المحلي بالدخل الذي تحققه هذه القطاعات بعد أن تطور آليات عملها وتوظف إمكاناتها بما يحقق الفائدة الاقتصادية المرجوة.
ولعل الإعلان عن خطوة شركة أرامكو السعودية في دراسة طرح جزء من أسهمها للاكتتاب العام يعد عاملاً مهماً في جذب الاستثمارات الأجنبية وتنميتها، وستعزز هذه الخطوة تشجيع كفاءة الشركة وشفافيتها، وهي عنوان بارز لِمُضِي الحكومة في الخصخصة واعتزامها تنفيذ برنامج التحول الوطني الطموح الذي سيعمل على إيجاد بدائل لدعم الاقتصاد الوطني.
وأعتقد أن الطرح عندما يتحقق على أرض الواقع سيكون داعما للسوق المالية السعودية التي تعاني التراجع هذه الأيام، وسيضيف إليها دعماً معنوياً وقيمة سوقية مرتفعة، فإدراج شركة عملاقة بحجم شركة أرامكو في سوق المال سيمكنها من تحقيق السبق على مستوى أسواق المال كافة في احتضان أكبر شركة مساهمة في العالم، وستضيف إلى السوق المالية مقداراً كبيراً من الزخم والقيمة السوقية على مستوى الأسواق المالية، هذا بخلاف المردود المالي الربحي من تصاعد سعر أسهمها بعد الإدراج، ووجود هذه الشركة في السوق سيكون مرآة تعكس ما يتمتع به اقتصاد المملكة من قوة ومقدرة على احتضان الشركات العملاقة مثل ارامكو.
مصدر تفاؤلي نابع من متابعتي اللصيقة لتجربة الإتصالات السعودية لأكثر من عقدٍ ونصف ، والتي كنت دائماً أشبه حالتها بمريضٍ يحتاج لعملية عاجلة لإبقائه على قيد الحياة ، نعم عملية جراحية بكل مخاطرها ووعودها بالنجاة بإذن الله ، والجميع يذكر كيف كانت الخدمة قبل ذلك التاريخ ، وكيف كانت المعاناة للحصول على الخدمة ، وكم كانت المبالغ التي ندفعها مقابل تلكم الخدمة على علاتها ،، أجريت العملية (خصخصة الشركة وتحول الدولة إلى التنظيم بدلاً عن التشغيل) ، ومرت بمراحل الخطر وتعدت مرحلة النقاهة وهاهي الآن تنعم بالشفاء التام ، والنتائج مبهرة بحمد الله وتوفيقه:
أعود وأؤكد مرة أخرى، أن أزمة أسعار النفط، قد تجلب لنا العديد من الفرص الاقتصادية التي يجب استغلالها على الوجه الأكمل، وأهم الفرص التي أراها هو الإلتفات إلى القطاعات الإقتصادية غير النفطية والعمل على دعمها وتعزيزها بالمقومات اللازمة لتساهم في إجمالي الدخل القومي، والجميل أن هذه القطاعات حققت العام الماضي (2015) نحو 163 مليار ريال في إشارة إلى تناميها. ومن أبرز هذه القطاعات القطاع السياحي الخصب القادر من وجهة نظري على توفير آلاف فرص العمل للشباب السعودي وإدخال العملة الصعبة إلى البلاد، إلى جانب قطاع العقار الذي بدأ ينتعش، متسلحاً بحل أزمة السكن في البلاد، إلى جانب تفعيل مكتسبات قطاع الصناعة، حتى يشارك بنحو 20 % من إجمالي دخل المملكة، وإذا حققنا الإيجابيات في هذه الفرص نكون قد تجاوزنا أزمة أسعار النفط وأسسنا لإقتصاد قوي ومستدام قائم على المعرفة وتنوع مصادر الدخل. هذا ما تحتاج إليه المملكة في السنوات المقبلة ، وبتحقيقه نستطيع أن نتحكم في أسعار النفط عالمياً دون أن تسوقنا مثل هذه الظروف الراهنة لتخفيض في سعر هذه السلعة التي تعتبر ورقتنا الرابحة، ووحدنا يمكن أن نخفض الإنتاج إلى الرقم الذي نريده إن كانت لدينا البدائل القوية في المصادر التي تدعم الخزينة العامة غير النفط.، فقط علينا عدم التخوف من إجراء العمليات الجراحية المماثلة لأي قطاع يترنح أو يكلف الدولة رهقاً على موازنتها العامة كل عام.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال