الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
ما إن بدأ وزير النفط الفنزويلي جولته التي شملت دولاداخل وخارج أوبك، وفي مقدمتهم السعودية وروسيا لوقف تدهور أسعار النفط، في صورة اتضح آثرها على الاقتصاد الفنزويليالذي بدأ يعاني أعراض ذلك، سعيا منه لإيجاد توافق بين الدول المؤثرة في السوق أملا في خفض الإنتاج ووقف تدهور الأسعار ، إذ بالبنك المركزي الياباني يعلن عن قراراه باعتماد الفائدة السلبية سعي منه للحد من تباطؤ النمو، وإخراج الاقتصاد من شبح الكساد.
وبالنظر للوضع العالمي والسياسات الاقتصادية التي تنتهجها الاقتصاديات الكبرى نرى تضاربا في ذلك ، مما يعني أن الاقتصاد العالمي يعيش مرحلة قلق اقتصادي بدأ واضحا في حركة رؤوس الأموال، وأثر سلبا في أداء الأسواق والمؤشرات العالمية، وخلق حالة من الفوضى وعدم اليقين إزاء ما يحدث، مما يعني أن البنوك المركزية بدأت تحركات أكثر جدية، قد نرى نتائجها مستقبلا.
فنجد الولايات المتحدة بداية من العام الماضي وهي تتلاعب بالأسواق العالمية من خلال التصريحات المتضاربة التي يطلقها بعض المسئولين الفيدراليين تجاه السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، فالبعض يلوح باحتمال رفع الفائدة منتصف 2015 في حين يصرح البعض الآخر أن ذلك سابق لأوانه، وبينما العالم منشغل بعيد رأس السنة، إذ بالفيدرالي يهنئ العالم برفع معدل الفائدة ربع نقطة، مسببا حالة من الإرباك والفوضى في الأسواق العالمية، وزاد من توقعات المحللين بإتباع سياسة نقدية أكثر تشددا في المستقبل.
في المقابل نجد أن البنك المركزي الأوروبي المسئول عن السياسة النقدية لمنطقة اليورو ينتهج سياسة نقدية أكثر تساهلا من خلال تبنيه سياسة التسهيل الكمي (Quantitative Easing) للإبقاء على معدلات الفائدة في مستوياتها الدونية لتحفيز اقتصاد أعضاءه، والتي مازالت عديمة الجدوى نظرا لانخفاض التضخم وارتفاع معدلات البطالة في .
أما فيما يتعلق باليابان والقرار المفاجئ الذي اتخذه البنك المركزي الياباني بشأن تبني أسعار الفائدة السلبية، فهذا يكشف جانبا مهما مما يعانيه الاقتصاد الياباني وعجز سياسة التسهيل الكمي التي اعتمدها البنك المركزي منذ 2001 لتحفيز الاقتصاد والخروج به من نفق الركود.
لكن السؤال الذي يبرز هل سيدخل العالم في حرب عملات وما تبعات ذلك، هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا المقال بإذن الله.
بداية ماذا تعني الفائدة السلبية وما تأثيرها على أسعارالصرف.
تعتبر الفائدة السلبية (Negative Interest Rate) سياسة نقدية غير تقليدية حيث يقوم البنك المركزي بفرض فائدة على ودائع البنوك التجارية لديه، وهي بدورها تقوم بنفس الدور مع عملائها والمودعين لديها، مع وجود سقف معين معفى من ذلك، وقد تقوم تلك البنوك بتحمل تلك الفائدة بنفسها دون عملائها تُستقطع من أرباحها، أو تقوم بتخفيض تكاليفها، لكن لماذا تلجأ البنوك المركزية لمثل هذه السياسة.
تختلف الأسباب المؤدية إلى اتخاذ البنوك المركزية قرار الفائدة السلبية إلا أنها جميعها تهدف للحد من تباطؤ النمو خصوصا حينما يكون الركود ملازما للاقتصاد فترة طويلة، أوتهدف من خلالها للتأثير على سعر الصرف وقيمة العملة، كما فعل البنك المركزي السويسري حينما تنبي سعر الفائدة السلبية بداية 2015 للحد من ارتفاع الفرنك السويسري وخفض قيمته .
حينما يدخل الاقتصاد فترة انكماشية (Deflationary) نتيجة لانخفاض أهم مكونات الطلب الكلي كالإنفاق الاستهلاكي والاستثماري، والصادرات، إذ يميل الناس إلى الادخار بدلا من الاستهلاك لتوقعهم أن بإمكانهم أن يشتروا مستقبلا بالأموال التي لديهم سلعا أكثر أو أقل قيمة مما هي عليه الآن، ونتيجة لذلك ينخفض الاستثمار ويقلص المستثمرين من استثماراتهم، في حين يبقى حجم الصادرات متغير خاضعا لأسعار الصرف، ومعدل نمو الأسواق العالمية، وبالتالي تؤدي تلك المكوناتلانخفاض الطلب الكلي مقارنة بالعرض الكلي وحدوث فجوة انكماشية (Deflationary gap) مما يحدث سلسلة متصلة من الآثار السلبية على الاقتصاد، بداية من ارتفاع المخزون، وسعي التجار للتخلص منه، والذي يعني مزيدا من تدهور الأسعار، وانخفاض التضخم، والذي قد يسبب انخفاض الإنتاج أو توقفه، وبالتالي زيادة معدلات البطالة، وانتهاء بانخفاض معدلات النمو في الاقتصاد، فالآثار التي يحدثها التضخم سواء ارتفع أو انخفض عن معدلاته المقبولة 1-2% ، يجعل الحكومات تتبنى ما يُعرف بسياسة التضخم المستهدف (Inflation Targeting Policy)، حفاظا على معدلات نموها.
ففي حالة انخفاض التضخم لما دون مستوياته المقبولة يتحتم على الحكومات اتخاذ سياسة نقدية توسعية من خلال خفض معدلات الفائدة لتحفيز الاقتصاد، قد تقترب تلك المعدلات من الصفر، إلا أن القوى الانكماشية أقوى مما يجعل هذه السياسة أقل فاعلية، عندها تلجأ البنوك المركزية لسياستين نقدية غير تقليدية أحدها تُعرف بالتسهيل الكمي، وفي حالة عدم جدواها يكون آخر الدواء الكي، من خلال تبني السياسة الأخرى وهي سعر الفائدة السلبية كوسيلة ضغط على البنوك التجاريةللإقراض، وتشجيع المستثمرين والأفراد على الاقتراض والاستفادة من هذه الفرصة التي تقبع فيها معدلات الفائدة في أدنى مستوياتها، وهذه السياسة تعكس حالة الفشل التي أثمرت عنها السياسات النقدية السابقة، وحالة العجز لدى الحكومات لتنشيط الاقتصاد.
إن ما حدث للاقتصاد الياباني في هذه الفترة بالذات يجعل الوضع أكثر سوء، نتيجة لتزامن انخفاض الصادرات مع حالة الركود التي يعيشها الاقتصاد الياباني، وهذا أدى لمزيد من الضغوط من احتمال دخول الاقتصاد مرحلة الكساد، ففي آخر تقرير لوزارة المالية اليابانية ذكرت فيه انخفاض الصادرات اليابانية 8% عن العام 2014 ، إذا انخفضت الصادرات إلى كل من الولايات لمتحدة بنسبة 3.4% والصين بنسبة 8.6% وكوريا الجنوبية بنسبة 15.4%، لذا كان قرار الفائدة السلبية وسيلة للتأثير على سعر الين الياباني وإضعافه أمام العملات الأخرى.
فعندما يتبنى البنك المركزي مثل هذا القرار، فكأنه يجبرالمستثمرين ورؤوس الأموال بالتخلي عن الين لصالح العملات الأخرى، وخروج تلك الأموال وهذا يؤدي لانخفاض الطلب على الين وبالتالي خفض قيمته مقابل العملات الأخرى، مما يصب في مصلحة الصادرات اليابانية.
نأتي الآن على بيت القصيد وهو تأثير ذلك القرار على الاقتصاد العالمي.
من دون شك أن الدول التي تحتل الصادرات نسبة جيدة من اقتصادها من صالحها انخفاض سعر صرف عملتها أما العملات الرئيسة، إذا أن ذلك يساعد في قدرة صادراتها على المنافسة، وإيجاد أسواق متعددة وبديلة لها، فالصين مثلا تدخلت في سعر اليوان، وخفضت قيمته أمام الدولار عندما بدأت الصادرات الصينية تعاني من تراجع منتصف 2015.
فقيام اليابان بتبني سياسة الفائدة السلبية للتأثير على سعر الين قد يُنذر بحرب عملات، يجعل البنوك المركزية في حالة ترقب لما سينتج عنه هذا القرار من تأثير على أسعار الصرف، ويشجع ذلك دولا أخرى تمثل الصادرات عنصرا مهما في معدل نموها مثل كوريا الجنوبية والصين ، إذ تمثل صادرات كوريا الجنوبية 50% والصين 24% من أجمالي الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك الاتحاد الأوروبي والتي تمثل صادرات أعضاءه مجتمعه ما نسبته 40% من إجمالي الناتج المحلي، كما أن ذلك يمثل تحديا للاتحادي الفيدرالي في اتخاذه لأي قرار لرفع الفائدة، فارتفاع الدولار والذي يمثل عائقا للصادرات الأمريكية، واحتمال ارتفاع العجز في الميزان التجاري الأمريكي ، قد يُجبر ذلك الولايات المتحدة الأمريكية لردة فعل تسعى من خلاله للتأثير على صرف الدولار.
إن دخول الاقتصاد العالمي مرحلة اقتصادية تمثل العملات اللاعب الرئيسي فيه قد يؤدي والله أعلم لبداية ركود اقتصادي عالمي تمهيدا لمرحلة كساد يضرب بأطنابه الأسواق المالية وأسعار الطاقة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال