الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
abdulkhalig_ali@
abdu077@gmail.com
بدأت أسعار النفط التراجع من منتصف العام 2014 نزولا من أعلى قمة وصلت إليها 115 دولار للبرميل ، ولم يثر ذلك النزول مخاوف أحد كونه في البداية والأسعار كانت عالية جدا وفوق كل التوقعات، ولأن النزول لم يكن سريعا ، لكن بعد أن بلغت الأسعار دون 80 دولار للبرميل بدأت المخاوف تدب في نفوس الاقتصاديين وظهر في تحذيرات وتنبيهات بخطورة الوضع ، مع بقاء التفاؤل بالنمو الاقتصادي قريبا من 3٪ ، لكن التحذيرات الدولية للمملكة من حجم إنفاقها العالي بدأت ترتفع مع منتصف العام 2015 .
استمرت ثقة المواطنين في إقتصادهم رغم النزول الحاد لأسعار النفط حيث وصلت بنهاية 2015 إلى نحو 40 دولار للبرميل ، والسبب في تلك الثقة الموازنة الكبيرة التي أعلنتها الحكومة لذلك العام والحديث عن الرؤية السعودية 2030 وما ستكون عليه المملكة بعد تطبيقها . ولم ينتبه الكثيرون إلى مشاكل مخصصات الشركات الكبيرة التي توقفت الحكومة عن صرفها ما سبب لها أزمات مالية كبيرة . ورغم الحديث عن تسريح أعداد كبيرة من الشباب السعودي في الشركات المشغلة للمشاريع الحكومية إلا أن الناس لم تشعر بالخوف بعد مما يحدث ، لثقتهم في قوة إقتصادهم من جانب ، وقناعتهم بما تبثه الحكومة من من تفاؤل في المستقبل من جانب أخر.
استمر التفاؤل في بداية 2016 رغم إستمرار تراجع أسعار النفط وإستمرار الحرب في اليمن وسوريا التي تستنزف الإحتياطي النقدي ، وذلك نتيجة لكثافة الحديث عن الرؤية وأثارها الإيجابية على الاقتصاد السعودي . وأزدادت التحذيرات من البنك الدولي للمملكة حدة مع وصول أسعار النفط للقاع قريبا من أدنى سعر له في 2016وهو 26 دولار وتنامي الإنفاق الحكومي من أنها ستفقد إحتياطاتها النقدية خلال أربع سنوات فقط ، وقد وافقهم بعض المسؤولون بشكل غير مباشر .
بعد صدور الرؤية بلغ التفاؤل ذروته حتى من الاقتصاديين الذين كانو يحذرون من المشاكل الاقتصادية المستقبلية بسبب الهدر وفشل كثير من المشاريع التنموية والفساد ، لكن ذلك التفاؤل لم يستمر طويلا بعد صدور بعض القرارات المتعلقة برفع أسعار الطاقة والوقود والمياة وفرض بعض الرسوم وزيادة قيم رسوم أخرى ، حيث سببت تلك القرارات صدمة كبيرة للناس رغم توقعها من العارفين بمفهوم الرؤية الإقتصادية ، مرت تلك القرارات دون أن يشعر الناس بالخوف ، فقط قليلا من القلق وعدم الإرتياح .
انتظر الناس حتى قرب نهاية العام الهجري ليشعروا بالخوف لأول مرة من وضع اقتصادهم بعد صدور القرارات التقشفية القوية جدا والتي لم يصدر مثلها حتى في العام 1986 عندما وصل سعر برميل النفط لأقل من 10 دولار ، وأزاد الخوف مع عدم خروج أحدا من المسؤولين ليبين للناس ماهية تلك القرارات ومستقبلها .
استبشر المواطنون خيرا بعد الإعلان عن حلقة خاصة لبرنامج الثامنة الشهير لإعلانه ظهور ثلاثة من كبار مسؤولي الحكومة يتحدثون عن بعض القرارات التقشفية الأخيرة ، وبدل أن يخفف ذلك الظهور المتأخر جدا مخاوف الناس ويزيل الضبابية عن مستقبل الاقتصاد ووضع الدولة المالي ، زاد الطين بله وزادت مخاوف الناس وشكوكهم في رؤية 2030 وقلقهم من المستقبل .
لم تمر تلك الحلقة مرور الكرام بل شرحها الناس لحظة بلحظة أثناء البث ، واستمر التعليق عليها وتشريحها بعد ذلك بأيام . فمسألة إفلاس المملكة خلال ثلاث سنوات كانت صعبة التصديق والقبول من السواد الأعظم من الناس متخصصين في الإقتصاد وغير ومتخصصين ، وكثرت الكتابات المفندة والساخرة والموضحة لما قاله أصحاب المعالي وخصوصا موضوع (الإفلاس) .
بعد أن قلنا أن العاصفة هدأت حتى مع التغييرات الوزارية الكبيرة التي شملت أشهر وزير سعودي في العقدين الماضيين معالي الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية ، ظهر علينا الدكتور حمزة السالم وعلى ضوء مقال للأستاذ جمال خاشقجي يشير فيه لتصريح لمعالي وزير الدولة محمد آل الشيخ لمجلة «بلومبيرغ» يتحدث فيها عن تآكل الإحتياطي الأجنبي في المملكة والإجراءآت التي أتخذت لوقف ذلك التأكل ، وينشر مقالين في صحيفة الرياض بوست عن ذلك الموضوع مفادهما أن تريليون نعم تريليون ريال اختفت من خزانة الدولة ، ويفند كل ما قاله معالي الوزير .
سواء كانت الآلية التي اتبعاها الدكتور السالم في بحثه ليصل لذلك الرقم المهول الذي إختفى صحيحة أو غير صحيحة وسواء كان الرقم في ذاته صحيحا أو غير صحيح ، وأيا كانت حقيقة ذلك المبلغ أو سبب وصول الدكتور له ، وإن كانت الحكومة قادرة على تفنيد كل ماجاء في مقالات الدكتور، لكن المؤكد أننا نعيش وضعا غير واضح المعالم انعدمت فيه الثقة، وما مقال الدكتور إلا شاهد عيان على إنعدام الثقة والحيرة التي نعيشها، وكل ذلك بلا شك يورث الخوف بل الهلع من المستقبل .
الخوف وعدم الثقة من المستقبل ليس حكرا على المواطن بل انه ظاهر في التحركات الحكومية التي تسابق الزمن لكبح جماح الإنفاق الحكومي، وتعويض دخل النفط وتحسين الظروف المالية قبل صدور الموازنة العامة بعد أقل من شهرين من الآن ، ولتطمين المؤسسات المالية الدولية التي يتوافد مسؤولوها على المملكة أو يستقبلون مسؤولين سعوديين في الخارج على وضع المملكة الاقتصادي . والتعديلات الوزارية الكبيرة التي تمت أخيرا تصب في ذلك الإتجاه الذي تتبناه الحكومة .
كثيرة هي الأمور التي تدع إلى عدم الإطمئنان والقلق بدءا من حرب اليمن وسوريا والعراق ومشاكل المنطقة العربية والصراع مع إيران ، إلى فشل كل الإتفاقات التي تهدف لتحسين أسعار النفط ، مرورا بالضبابية في إتجاه الاقتصاد العالمي ، ورغم جدية تلك التحديات وصعوبتها إلا أنها لا تمثل خطرا حقيقيا على وجودنا ووحدتنا واقتصادنا ، ونحن قادرون على تجاوزها والتغلب عليها .
الخطر الحقيقي علينا ليس من ضعف الاقتصاد وتراجع الرصيد النقدي من العملة الصعبة وانخفاض أسعار النفط ولا من الحروب التي نخوضها فكل تلك التحديات مررنا بمثلها وأكبر منها في الماضي وتجاوزناها بفضل الله ، الخطر الحقيقي علينا بل على وجودنا ووحدتنا وأمنا هو الخوف وعدم الثقة الذي تملكنا حتى ما عدنا نأمن للقمة عيش الغد . الخوف يدمر الاقتصاد لأنه يمنع الإستثمار ، وعدم الثقة تدمر العلاقة والتعاون وتشعل الفتن . وما مقال الدكتور السالم إلا ناقوس خطر في هذا الإتجاه سواء صح ما توصل له أو لم يصح وسواء كانت آلية بحثه صحيحة أم لا ، فما هو إلا نتيجة مباشرة للخوف وعدم الثقة .
لن يتحسن الوضع إلا بظهور الحقيقة لما نحن عليه إقتصاديا وسياسيا وماهي الإجراءات التي ستقوم بها الحكومة لمعالجة الأوضاع الإقتصادية والسياسية ، وماهي التوقعات المسقبلية خيرها وشرها . وكل ذلك يقع عبئه على الحكومة التي يجب أن تكون أكثر شفافية ووضوحا ، وأن تأخذ مخاوف المجتمع على محمل الجد خصوصا المخلصين من ذوي الخبرة . فالمنظمات الدولية لن تعمل إلا لمصالحها ومصالح من يسيطرون عليها ، وكل التجارب السابقة أثبتت أن تلك المنظمات غير ناصحة للدول إلا بقدر ما يحقق ذلك النصح مصالحها . والقرارات المفاجئة التي تصدر على كافة المستويات بين الحين والأخر تزيد من تلك المخاوف والشكوك ، والتسريبات الحقيقية والكاذبة وسكوت الحكومة عنها بالتأكيد أو النفي يزيد تلك المخاوف أيضا ويرسخها. نحن بحاجة للشعور بالأمان على المستقبل لنقتل تلك المخاوف بداخلنا وإلا فإنها ستقضي علينا .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال