الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
عرضت في مقال الأسبوع الماضي العصور التي مرت بها البشرية منذ أن كان الإنسان سلعة تباع وتشترى، مرروا بعصر الإقطاع وتحول الإنسان من عبد للإنسان إلى عبد للأرض ثم العصر الصناعي الذي بدأ بعد اكتشاف كولمبوس الأمريكتين، وانتهى في العقد الأخير من القرن الماضي. ونحن نعيش الآن عصر المعلومات وقد بينت بعض ملامح هذا العصر باختصار في المقال السابق.
أول ما يتميز به عصر المعلومات هو ضرر الادخار ومنافع الديون والقروض. هناك عادات يفترض أن تختفي ومنها عادة الادخار التي كان الاقتصاديون ينصحون بها في العصر الصناعي وكانت من الأساطير التي يصعب التشكيك فيها ولكنها الآن لم تعد مجدية فالمدخرون في هذا العصر هم أكبر الخاسرين لأنهم يدخرون أوراقا لا قيمة لها “ليست نقودا” تأكلها الفائدة والتضخم ولا يوجد ما يعادلها من الذهب. ومن العادات التي ما زال ينظر إليها الناس على أنها ضارة القروض، ولكنها تبدلت وأصبحت القروض مصدرا من مصادر زيادة الأموال وقد تنقل الفرد من الفقر إلى الغنى إذا أحسن التعامل معها. الاقتراض يعني استخدام أموال الغير فعندما تقترض وتستخدم أموال الناس والمصارف من أجل بناء أصل يدر إيرادا تستخدمه لتسدد به فوائد القرض والباقي يعتبر ربحا ويبقى الأصل معك ينتج لك الأموال وكأنك تمتلك وزة تبيض لك ذهبا وتسمى هذه الطريقة بالتدفق النقدي، ولكن إذا تم الاقتراض واستخدام أموال الغير لسداد قيمة ملبوسات أو سيارات أو رحلات أو أي سلعة استهلاكية أخرى فإن القروض هنا تقود إلى الهاوية والعوز والفقر.
من الثوابت المالية والحقائق الاقتصادية التي ما زالت عالقة بأذهاننا وورثناها من العصر الصناعي ضرورة امتلاك منزل. امتلاك بيت العمر يظل حلما للفرد وإذا امتلكه يبالغ في تشييده وتصميمه باعتباره أهم أصوله، ولكن في عصر المعلومات لم يعد المنزل أصلا بل أحد أنواع الخصوم أي أنه التزام يزيد من المصروفات ويخرج الأموال دوريا من حساباتنا ويجمد أي محاولة للاستثمار لعقود. بطبيعة الحال امتلاك منزل للسكن أفضل بكثير من إبقاء الأموال في المصارف أو كمدخرات لأنها هنا تنقص قيمتها وتأكلها الآفات من كل جانب كالفائدة والتضخم وغيرهما، لكن يجب أن نعرف أن المنزل المعد للسكن ليس أصلا بل هو عبء مالي وإذا أردنا تحويله إلى أصل فيمكن بيعه بسعر أعلى ويعاد تدوير العائد أي لا يبقى مالا نقديا وهذا ما يطلق عليه ربح رأس المال، أو البديل الآخر تأجيره، وهذا ما يطلق عليه التدفق النقدي وهو ما يفضله مختصو المال والاستثمار.
وفي عصر المعلومات كذلك تغير ميزان القوى فالذي يحكم العالم لم يعد القوة العسكرية بل المعرفة التي تقود إلى المال والثراء ــــ وبناء على ذلك وحسب التقارير والتنبؤات – فإن القوة العظمى التي ستحكم العالم عام 2050 هي الصين تليها الهند ثم الولايات المتحدة ثم إندونيسيا حسب تقرير «الإندبندنت» البريطانية ونقلتها «العربية نت». كما أن بريطانيا التي تريد هذه الأيام الخروج من الاتحاد الأوروبي ستهبط إلى المركز العاشر بعد أن كانت تحتل المركز الخامس بين الكبار عام 2016.
في عصر المعلومات كذلك لم تعد الدول هي التي تحكم مواطنيها بل الشركات والمؤسسات خصوصا تلك التي أعدت نفسها لهذا التغيير لأنها تتحكم في الموارد البشرية حول العالم بتتبع ذوي الأجور المنخفضة في أي بلد وتشد الرحال إليهم أو تستخدمهم وهم في أماكنهم عبر التقنية التي تسهل على الشركات التعاقد مع محاسب أو محامي أو مهني عبر القارات يؤدي مهمة عمل وهو في بلده بين أهله وبنيه. ولهذا سيتم النظر في المستقبل المنظور إلى بعض الوظائف على أنها أصبحت من الطراز القديم وقد تختفي تماما ويحل محلها المجهود الفردي وبهذا تقل الحاجة إلى موظفين تقليديين يأتون إلى مقر أعمالهم صباحا ويعودون إلى منازلهم مساء يكلفون الشركة مرتبات وحوافز وتأمينا صحيا وسكنا وخلافه.
وعندما نتكلم عن الوظائف فهذا يقودنا إلى التعليم. فمنهجية ونوعية وهيكلة التعليم ستتغير بالكامل فستكون ـــ والله أعلم ــــ ثورة على برامج التعليم التقليدية. فهناك مواد ستحذف طوعا أو كرها من برامج التعليم لأنها تأخذ من جهد المتلقي ووقته الكثير وليس لها تأثير في مساره ومستقبله وسيحل محلها التعليم المالي وسيدخل بكل قوة وقد يكون ذلك قريبا. كما أن الجامعات لن تبقى البديل المناسب لمن أراد أن يحقق ذاته ويكسب رزقه لأن الناس سيكتشفون أن البقاء في الجامعات لعدة سنوات مضيعة للوقت وأنهم بمنهجيتهم الساذجة هذه يخدمون من هم في القمة وأصحاب النفود والثراء والمال ولا يخدمون أنفسهم حينما يكتشفون بعد حين من الدهر أنه يمارس عليهم صورة من صور العبودية عندما يعدون أنفسهم من أجل أن يستفيد من مؤهلاتهم أهل الأموال وأرباب الأعمال.
ففي زمن ما من هذا العصر الذي نعيش بداياته “عصر المعلومات” سيتحرر كل شيء – رأس المال، الأرض، العمل- حتى الإنسان الذي ظل عبدا على مدار كل العصور البائدة حيث كان عبدا بالشراء في عصر العبودية، وعبدا للأرض في عصر الإقطاع، وعبدا للوظيفة في العصر الصناعي. أما في عصر المعلومات فيتوقع أن تنتهي العبودية بكل صورها وستحل محلها تركيبة جديدة الله أعلم بها. سيصبح الفرد العادي أقدر وأسرع في الوصول إلى المعلومة من الحكومات والمؤسسات، فإذا استطاع أن يستفيد منها قبل أن تصل إليها فسيجني منها الكثير وسيصبح الأفراد العاديون أكثر ثراء من أرباب الأموال التقليديين بل من بعض الدول. في هذا العصر ـــ والله أعلم ـــ ستقوم الحكومات بالاستعانة بالمبادرات الجديدة والمجهودات المتناثرة حول العالم بدلا من رجال الأعمال والشركات، ويصبح رجال الأعمال الذين لم يفطنوا إلى تغيرات العصر أشبه بالنبلاء في أواخر عصر الإقطاع الذين هددهم الفقر بعد أن رحل عنهم الفلاحون للعمل في الموانئ كعمال وموظفين.
نقلا عن الاقتصادية
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال