الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
وصل الاستهلاك الأسري في المجتمع السعودي لدرجة من المبالغة أن أصبح معضلة للأسرة وللاقتصاد بأكمله. والسوق السعودية، لذلك تعد أهم الأسواق الاستهلاكية في الشرق الأوسط بل في العالم نسبة إلى عدد السكان .
ويعاني الاستهلاك الأسري من مشاكل هيكلية أساسية تحتاج جهد كبير لحلها ومشاكل أخرى فرعية بسيطة بقليل من الجهد يمكن تجاوزها، وعلى الرغم من كثرة الحديث عن هذا الموضوع في وسائل الإعلام المختلفة إلا أن التحسن في سلوك الأسرة الإستهلاكي يكاد يكون معدوم تماما .
عدم وجود ميزانية محددة للاستهلاك الشهري يمثل المعضلة الأكبر، ذلك أن الاستهلاك المفتوح غير المحدد يعني إستنزاف مستمر لدخل الاسرة في مختلف مجالات الاستهلاك . ولا تدرك الأسرة غالبا حجم استهلاكها الشهري إلا عند وقوعها في آزمة مالية نهاية الشهر أوعدم وجود مدخرات رغم حجم الدخل العالي .
ولا تعرف معظم الأسر أين تذهب أموالها لأنها لا ترى حجم استهلاك كبير تنفقه دفعة واحدة بل نفقات صغيرة لا تكاد تراها ، وسوف تتفاجأ الاسرة لو قامت بتسجيل استهلاكها الشهري بأن جزءا كبيرا من استهلاكها يذهب في أمور تافهة صغيرة لا قيمة لها ويمكن التخلي عنها لو أنها نظمت استهلاكها . وقد أعتدت أن اسمي هذا النوع من الاستهلاك بـ (استهلاك الثلجة) حيث تذوج ببطء حتى تختفي تماما .
ويزداد الأمر سوءا إذا اعتمدت الأسرة في استهلاكها على التقسيط للسلع والخدمات الاستهلاكية والكمالية، وهو ما يجعل الأسرة تستهلك أكثر من دخلها الشهري بكثير، وهو ما يعني أن الأسرة تعيش على الديون المستمرة . ومهما كان مبلغ التقسيط الشهري بسيطا فإنه دين يستنزف دخل الأسرة المستقبلي من خلال تسهيل الاستهلاك لسلع وخدمات غير ضرورية ، واستهلاك مبلغ أكبر من قيمة الخدمة أو السلعة .
والأسرة التي تعتاد على التقسيط لتلبية إحتاجاتها الإستهلاكية تقع في مشاكل مالية كبيرة ، أبسطها عدم قدرتها على الادخار مهما كان الدخل كبيرا ، ولا تدرك الأسرة حجم استهلاكها الحقيقي لإنها تنظر لمبلغ التقسيط الشهري فقط ولا تعرف إجمالي استهلاكها طوال مدة التقسيط وبالتالي القيمة الحقيقية للسلعة أو الخدمة .
وباء التقليد مشكلة أخرى بل من أكبر المشاكل التي تستنزف دخل الأسرة وتوقعها في الديون ، فلا تنظر الاسرة لإمكانياتها واحتياجاتها بل تنظر إلى ما يفعله الناس وتقلده مهما كلفها الأمر . ويظهر هذا الوباء جليا في الزواجات والمناسبات وفي تأثيث المنازل والسفر، وأمتد ذلك الوباء لكل شيء تقريبا .
ومن مشاكل الاستهلاك الخطيرة تحول التسوق إلى نزهة عائلية ومتعة تذهب كامل الأسرة من أجلها للتسوق ، وذلك السلوك عزّزه تصميم الأسواق الحديثة المريح جدا والخدمات المتوفرة فيها. فالتسوق العائلي يعني أن ما سيُنفق في كل خروج للتسوق يفوق الحاجاة الحقيقية بأكثر من 30% على الأقل ، خصوصا مع عدم وجود ميزانية تضبط الإحتياجات . فمما يصحب ذلك التسوق الترفيهي الأكل في المطاعم واللعب في الملاهي وتجربة كثير من المأكولات والمشروبات والسلع والخدمات التي لا حاجة لها ، فالحالة النفسية المسترخية للأسرة والشعور بالمتعة يجعلها تستهلك بنهم كبير دون وعي بحجم الاستهلاك .
ومن أسباب الاستهلاك الكبير للأسر الأوقات غير المناسبة للشراء مثل بداية نزول السلعة للأسواق (السعلة الحديثة) ، وفي هذا نسمع عبارة (كن أول من يقتني … ) . وقبل المناسبات العامة بوقت قصير . وفي حالة الإشتهاء الشديد للسلعة ، ففي تلك الحالة يكون المستهلك غير قادر على تقدير القيمة الحقيقة للسلعة ولا الكمية المناسبة ولايكون في وضع يسمح له بالتفاوض الجدي . والأوقات غير المناسبة للشراء كثيرة وما ذكرته من أكثرها تأثيرا في زيادة حجم الاستهلاك .
تختلف أسعار السلع من مكان لمكان والمستهلك الرشيد يعرف من أين يشتري السلع التي يحتاجها حسب ما يتناسب مع قدرته المالية وحاجته والكمية التي تناسبه ، ومن ذلك شراء سلع الجملة من محلات الجملة لا من محلات التجزئة التي تفرق في الأسعار كثيرا .
أخيرا أغرب أسباب زيادة استهلاك الأسرة السعودية متمثل في سوء استهلاك السلع والخدمات ، فعدم الاهتمام بالسلعة بعد شراءها ظاهرة تتساوى فيها معظم الأسر السعودية ، وذلك يؤدي إلى استهلاك كميات أكبر من الحاجة من تلك السلع والخدمات ، أو تلفها واستهلاكها قبل عمرها الافتراضي ما يعني الشراء مرة أخرى .
ومرور سريع على محلات الخردة والأستكات والصيانات والحراجات يظهر سوء الاستهلاك الذي يعيشه المجتمع ، بل وصل حد الكارثة كماهو في الحال في الاستهلاك العبثي للسيارات .
نحن بحاحة لوقفة حقيقة أمام ظاهرة الإستهلاك الأسري لوقف النزيف المالي لدخول الأسر خصوصا أننا مقبلون على أيام صعبة مع زيادة أسعار الطاقة وضريبة القيمة المضافة .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال