الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في بداية تسعينات القرن الماضي، كانت الحرب الأهلية اللبنانية تضع أوزارها مع خروج العماد عون من قصر بعبدا كأحد نتائج اتفاق الطائف الشهير الذي تم فيه الاتفاق على ما يشبه الدستور الجديد بين مختلف الطوائف. كان ذلك الاتفاق قد نقل الكثير من الصلاحيات والسلطات التنفيذية من رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء. أما الاقتصاد، فكان في أسوأ حالاته والعملة في أدنى مستوياتها ومعظم الأعمال متوقفة والبنية التحتية مدمرة.
جاء وقتها الى رئاسة الحكومة رجل اعمال ناجح من صيدا عُرف عنه أنه كوّن ثروته في الخارج. استلم رفيق الحريري المنصب ووعد بإعادة إعمار البلد فانطلقت ورشة عمل ضخمة فورا. وخلال سنوات قليلة تم بناء المطار الجديد وفنادق جديدة ومدن رياضية بالإضافة الى ترميم الكثير من المباني الحكومية وصولا الى افتتاح الوسط التجاري. في موازاة ذلك شهدت عجلة الاعمال حركة قوية فنشطت المصانع والمؤسسات التجارية وبالأخص الحركة السياحية والعقارية، فرغم حصول اعتداءات إسرائيلية في العامين 1993 و 1996 إلا أن تدفق السياح العرب والأجانب لم يتوقف. نشطت أيضا المصارف اللبنانية وتوسعت أعمالها وقام عدد منها بافتتاح فروع خارجية. كان لبنان في تلك الفترة يستقبل المؤتمرات الدولية ويستضيف الدورات الرياضية العربية والاسيوية وكانت الحفلات الفنية والمسرحية للنجوم العرب لا تتوقف على مدار السنة.
مع ميزانية تقريبا خاوية في نهاية الحرب، تم تمويل تلك المشاريع بالديون عن طريق إصدار السندات بالاضافة الى بعض المنح واستثمارات القطاع الخاص المحلي والخارجي. ورغم التذبذبات في العلاقات السياسية، استمر العمل والتفاؤل بالمزيد من الإنجازات مع أن الزخم تباطأ في نهاية التسعينات مع خروج الحريري من الحكومة واتخاذ الحكومة البديلة منحى مختلفا في مقاربة الأمور المالية والاقتصادية. عاد رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة في العام 2000 وحاول ان يضع الاقتصاد اللبناني على السكة من جديد عبر مؤتمرات دولية وبرامج كثيرة لكن دون جدوى فقد كان التعطيل السياسي بلغ ذروته وكانت خمس سنوات ضائعة حتى عام 2005 . اغتيل الحريري في فبراير 2005 واغتيلت معه كل المرحلة السابقة بإنجازاتها.
الفترة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم كانت بمثابة القتل البطيء للاقتصاد. شُلَّت تقريبا أجهزة الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارات اقتصادية أو إنمائية. الفساد الموجود أساسا استشرى وأصبح يتم تناوله في الاعلام وكأنه حدث يومي تتم تغطيته إخباريا. المنشآت التي شيدت في التسعينات أصابها الهريان بدون صيانة ولا تطوير. المطار والمدينة الرياضية والمستشفى الحكومي أمثلة على ذلك. لم يتم حتى إقرار موازنة حكومية منذ العام 2005 . تراجعت الخدمات من مياه وكهرباء وانترنت وغير ذلك. لبنان كان من أوائل الدول التي أدخلت الهاتف الخلوي والإنترنت في منتصف التسعينات وبدلا من أن تستمر في الريادة تراجعت وأصبحت تلك الخدمات من الأسوأ في العالم.
يستمر بطبيعة الحال إصدار السندات وأدوات الدين لتمويل المصاريف الحكومية. الفرق في السابق ان الدين كان لتمويل مشاريع إعمار أما اليوم فهو لتمويل مصاريف وهدر متواصل. بلغ مستوى الدين الحكومي 148 ٪ من الناتج المحلي بنهاية 2016، ومع نمو لا يتجاوز 1٪ في أحسن إحواله فإن نسبة الدين مرشحة للارتفاع.
تم إنهاك الاقتصاد اللبناني بشكل مبرمج منذ 2005 فأصبح موضوع إعادته للنمو موضع شك. تم أيضا جر البلد الى تجاذبات سياسية وحروب وفترات طويلة من الفراغ الحكومي والرئاسي دون الالتفات الى تآكل بنية الاقتصاد. أفلست مؤسسات وزادت البطالة وارتفع عدد الشباب الباحث عن عمل في الخارج. وسط بيروت والكثير من المناطق السياحية أصبحت أشبه بمدن الأشباح. حتى الاكتشاف النفطي العظيم لم يستفد منه البلد لأنه يدار بنفس عقلية المحاصصة والسيطرة من فئات دون أخرى.
يصعب تصور أن يقوم الاقتصاد اللبناني بالتعافي من جديد رغم تمتعه بكل المقومات. صناعة القرار في الاقتصاد اللبناني إما غائبة أو مختطفة بسبب السياسة. مستحيل أن ينمو اقتصاد بلد ليس لديه توجه استراتيجي موحد. لا يمكن أن يكون في نفس الدولة توجه توسعي سياسي اقليميا و توجه اقتصادي حيادي. من غير المنطقي أن نعتقد أنه ممكن القيام بتسوية تراعي الاتجاهين.
البلد بالكاد يوفي مستحقاته سنويا وأصبح لديه ما يقارب مليون لاجيء سوري (تختلف الإحصاءات في العدد) ومع إضافة اللاجئين الفلسطنيين يصبح الإجمالي قريب من ثلث السكان. لا تستطيع الحكومة الصرف على منشآتها ولا على مشاريع تخص البنية التحتية ولا يمكنها تشجيع الاستثمارات، والحكومة لا تفعل ما يكفي لتنأى بنفسها عن الخلافات الإقليمية بل يتزايد تداخل العنصر اللبناني في تلك الخلافات.
في فترة الرئيس فؤاد شهاب (1958 – 1964) اتبع لبنان سياسة الحياد بعيدا عن المحاور الإقليمية وذلك في أوج فترة المد الناصري. كانت للبنان علاقات متوازنة مع الجميع وتفرغ البلد للعمل. في تلك الفترة تم تأسيس معظم مؤسسات الدولة والتي كانت في حينها خطوات متقدمة جدا. بعض تلك المؤسسات ما زال موجودا الى اليوم لكنه متوقف عن العمل.
يتغنى اللبنانيون بوصف لبنان “سويسرا الشرق”. يقارنون طبيعته بسويسرا وينسون حياد سويسرا. إما أن تنفذ الدولة اللبنانية سياسة النأي بالنفس فعليا وبعدها يمكن الحديث عن بناء الاقتصاد، أو أن تستمر إدارة السياسة على الطريقة اللبنانية “المتذاكية” ولا داعي عندها للحديث عن الاقتصاد.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال