الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
خيرا فعلت الحكومة السعودية بإنهاء هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة ، فمنذ نشأتها وهي مجرد هيكل عديم الجدوى ، ورأيي أنه لم يكن لتأسيسها ضرورة أو أهمية . ولدت تلك الهيئة فاشلة واستمرت فاشلة وماتت دون أن تحقق شيء حتى مجرد موقع على الشبكة يمكن الإعتماد عليه . لذلك لا عزاء فيها .
توليد الوظائف يتم على مستويات مختلفة ، أقل تلك المستويات هو خلق وظيفة أيا كان مستواها وأجرها ووجود من يقبل بتلك الوظيفة ويستطيع العمل بها ، وهذا المستوى الأدنى من التوليد يحدث يوميا ، وأي عمل يتم إنشاؤه يعني وجود وظيفة واحدة على الأقل في ذلك العمل . المستوى الثاني من التوليد يكون من أجل مكافحة البطالة بين المتعلمين ، وهنا يرتفع التوليد ويصعب إذ لابد أن يكون التوليد لوظائف متخصصة يمكنها إستيعاب كل أو معظم العاطلين المتخصصين . أخيرا توليد وظائف غير موجودة أصلا ولا يوجد لها عاطلين ، وهذا النوع من التوليد هو الأعلى ويتم من خلال إبتكار مهن جديدة غير موجودة من قبل ، إما لعدم وجودها في بلد معين وهو الأسهل أو غير موجودة مطلقا من خلال الاختراعات والابتكارات الجديدة .
ما يهمنا هنا النوع الثاني من التوليد ؛ لأن النوع الأول غالبا ما يكون في المهن المتدنية الأجر والمهارة والتي لن يقبل بها السعودي ، وبعضها يستطيع الفرد توليدها بنفسه وليست بحاجة جهة رسمية أو خاصة لتوليدها . والنوع الثالث عالي جدا جدا وغالب ما يتم توليد تلك الوظائف عن طريق الأفكار الجديدة و الإبداعية للأفراد ، وفي هذا العصر تعد التقنية والذكاء الإصطناعي هو المجال الأوسع لها . وفي الاقتصاد السعودي هذا النوع من التوليد مازال بعيد المنال للأسف لأسباب معقدة وحلها يلزم وقتا طويلا .
ومن تلك الأسباب ضعف التعليم العاجز عن تحفيز التفكير الإبداعي والإبتكار لدى الطلاب ، وعدم وجود حاضنات حقيقية تستطيع نقل تلك الأفكار الإبداعية للواقع من خلال المعامل والمختبرات والتمويل وتصنيع النماذج ، وعدم وجود رأس المال الجريء فعلا للإستثمار في أفكار جديدة وغير مسبوقة . لكن الأهم من تلك الأسباب عدم وجود بيئة اقتصادية قادرة على تقبل الأفكار الجديدة من حيث الأنظمة المتقبلة للجديد والبنية الصناعية القادرة على تنفيذ الأفكار الجديدة وتسويقها ومجتمع يتقبل تلك الأفكار. وهنا أورد فكرة أوبر هل كان السوق السعودي سيقبل بها على بساطتها لو أنها بدأت من هنا ، بكل تأكيد لا .
لذلك نحن في مجال توليد الوظائف على المستوى الثاني فقط ، وهذا المستوى المملكة لا تعاني من أي مشاكل فيه مطلقا لسببين أولا أن سوق العمل السعودي مسيطر عليه تماما من قبل العمالة الوافدة وعلى كافة المستويات من أدنى مهنة وأقلها أجرا إلى أكثرها دقة وتخصصا وأعلاها أجرا . ثم إن الاقتصاد السعودي لم يبلغ التوظيف الكامل تقنيا وبشريا ومازال في حاجة المزيد .
وأقصد ببشريا الشباب السعودي ، فلو تم توظيف كل العاطلين السعوديين الأن فلن يؤثر ذلك في نسبة غير السعوديين في السوق بشكل عام وسنظل بحاجة المزيد والمزيد من السعوديين للإحلال محل العمالة غير السعودية وأمامنا ما لا يقل عن ثلاثين سنة لشغل الوظائف في الاقتصاد السعودي بسعوديين ، وأكرر في جميع التخصصات وأكثرها دقة وأعلاها أجرا .
فالوظائف المتخصصة والموجودة الآن في الاقتصاد السعودي والمشغولة بغير السعوديين تتطلب سنين طويلة حتى يتم ملؤها ، ثم بعد ذلك الوظائف التي ستولدها مشاريع رؤية السعودية 2030 ومعظمها وظائف دقيقة ومتخصصة . لذلك أقول نحن لسنا بحاجة خلق وظائف بل بحاجة توظيف فقط . وذلك يتم من خلال إصلاح أنظمة سوق العمل وتطبيقها بصرامة . فمازالت الأنظمة محاسبية لرجال الأعمال على حساب المواطن والوطن . وأهم ما يجب إصلاحه في هذا الجانب التوصيف المهني ومعدل الأجور .
الظاهر في الإحلال هو للمهن البسيطة متدنية المهارة والأجر ، بينما المهن العالية المهارة والأجر مازال الإحلال فيها ضعيفا ويسير ببطء شديد جدا رغم وجود المتخصصين من السعوديين .
أما توطين الصناعة فهو برأيي أكبر من مشكلة البطالة ومن سعودة الوظائف ويجب أن تكون برامجها بذلك الحجم والأهمية وأن تكون شاملة تبدأ من التعليم مرورا بالأنظمة وانتهاء بالصناعات الثقيلة التي نفتقدها تماما ، ومن المؤسف أن كل المدن الصناعية التي أنشئت لذلك الهدف ذهبت أدراج الرياح لعدم وجود خطط حقيقية للتحول الصناعي . وكلي أمل أن تكون الصناعات العسكرية بداية حقيقية لقيادة الاقتصاد السعودي نحو الاقتصاد الصناعي المتكامل .
أعتقد أن بعض الاقتصاديين يخلطون بين توطين الوظائف العليا وخلق الوظائف .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال