الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
مجرد إيمانك الكامل بقدرة عقلك على التغيير كفيلة بأن تجعل من هذا التغيير واقع ملموس. هذه ليست مجرد جملة رنانة تطرب المسامع وتحرك عواطف القراء، لكنها جزء من لقاء للمذيعة الشهيرة “أوبرا وينفري” في تسعينات القرن الماضي مع ضيف يحاول إقناعها بأن تجرب تحريك خيط ثابت بمجرد التحديق والتركيز فيه. بالتأكيد فإن نجاح مهمة مثل هذه مرتبط ببرمجة العقل والتدريب المستمر، لكن من المهم أيضا أن نعلم أن التحكم بالأفكار التي تدخل إلى عقولنا أو تخرج منها هو اختيار شخصي مرتبط بنا نحن بشكل مباشر. اللون القاتم يمر بنا جميعا وهذا طبيعي جدا، إلا أن القدرة على التحكم في ارتباطه بسلوكك والتأثير على مفاصل الحياة هو ما يميز كل فرد منا عن الآخر.
وفي ذات السياق أتذكر الكاتب “Alex Hutchinson” الذي كان لديه هاجس مستمر لمعرفة سبب قدرة العدائين على مضاعفة الأداء بمضمار السباق عند الاقتراب من خط النهاية. كان أليكس عداء لفترة طويلة من حياته لذلك فهو يتساءل عن الفرق بين استراتيجية الفوز وبين الرغبة في الانتصار. الكتاب بعنوان Endure ويستعرض فيه قدرة الجسد على التحمل وحدود المرونة للعقل، كما يعرج على كثير من التجارب المشابهة للتحفيز على الاستفادة من العوامل النفسية التي يمكن أن تسهم في برمجة العقل بما ينعكس إيجابا على مستوى الأداء.
قبل عدة سنوات انتشرت في وسائل الإعلام قصة السيد “جيمس روبرتسون” الموظف الذي استمر لسنوات طويلة دون انقطاع يتوجه إلى مقر عمله سيرا على الأقدام بما يقارب عشرين ميلا كل يوم أي ما يعادل أربع ساعات ذهابا وأربع ساعات أخرى إيابا، كل ذلك دون أن يتأخر يوم واحد عن العمل. ليس ذلك فحسب، لكنه تعدى تلك المرحلة وأصبح بمثابة ساعة انضباط لجميع الموظفين في المصنع الذي يعمل به ويضع ضوابط الحضور والانصراف. لك أن تتخيل بنفسك كيف يمكن له تحقيق ذلك وهو يسير بين طبقات من الثلوج يوميا ويمر بمناطق يصعب أن تسير فيها منفردا بعد منتصف الليل.
لقد استحق الرجل أن يكافأ على هذا الانضباط بعد كل تلك السنوات مع أن ذلك أيضا حدث بمحض الصدفة. في أحد الليالي تابعه أحد موظفي البنوك وهو على تلك الحال من السير بين الثلوج فطلب منه أن يركب وبدأت قصة التعارف لأيام طويلة بين الرجلين.
بعد أن نشر موظف البنك قصة الرجل في أحد الصحف وقرأ الجميع عن هذا الالتزام العجيب، حصل “جيمس” على الكثير من الإعجاب والإشادة. لن أدخل في مزيد من تفاصيل هذه القصة التي أراها مثالا جيداَ لبرمجة العقل والجسد على الالتزام وما أشرنا إليه في بداية هذا المقال، لكنني أتوقف فقط عند إجابة “جيمس” حين تم سؤاله عن السر في قدرته على هذا التحمل العجيب فأجاب: ” أنتم لا تعلمون كم تعبت حتى أجد هذه الوظيفة”. هذه القصة تجعلني مؤمن بأن ساعة الانضباط الذاتي أدق بكثير من كل ما وصلت له التقنية من أجهزة تنبيه. ولا أتعجب أبدا عندما أتذكر حلقة الأستاذ أحمد الشقيري في برنامج خواطر عن مدارس لا يحتاج فيها الطلاب لأجراس مدرسية. فحين يؤمن الطالب أن النجاح يبدأ من الالتزام المرتبط بقيمة كل دقيقة في يومه، عندها بالتأكيد لن يكون بحاجة لجرس يضبط إيقاع يومه.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال