الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
أعلنت شركة أرامكو السعودية يوم الخميس الموافق ٥ ديسمبر ٢٠١٩ تحديد سعر أسهم الاكتتاب بـ ٣٢ ريال سعودي؛ مُقيمة الشركة بـ ١,٧ ترليون دولار أمريكي. استطاعت أرامكو السعودية جمع ٢٥,٦ مليار دولار من الأفراد والمؤسسات؛ الأمر الذي يجعل من اكتتابها الأكبر والأضخم في العالم.
تحديد السعر النهائي يعد من أصعب وأكثر المراحل حساسية بالنسبة للشركات التي تلجأ إلى الطرح العام الأولي؛ لكثرة العوامل التي تؤثر على السعر؛ فكلما كانت الشركة أكبر، كلما كانت العوامل المؤثرة على سعر السهم (وقيمة الشركة) أكثر.
يعد الطرح العام الأولي لأسهم أرامكو السعودية نقطة تحول في سوق المال السعودية. طرحٌ استثنائي شهِدنا معه تطبيق ممارسات وقواعد لم يعهدها المستثمر والمضارب الفرد، كتحديد النطاق السعري وبناء سجل الأوامر بناءً على سعر لم يكن النهائي. الأمر الذي يدعو إلى التساؤل ما إذا كانت الشركة قد تركت أموالاً للمكتتبين على الطاولة.
قد يتساءل البعض عما أقصده بترك أموال على الطاولة. ولا أجد للإجابة عن هذا السؤال أفضل من استعراض الطرح الأولي لشركة مجموعة علي بابا (Alibaba Group) الصينية وشركة فيسبوك (Facebook) الأمريكية عندما طُرحتا للتداول في بورصة نيويورك لأول مرة. فكما يُقال: بالمثال يتضح المقال.
فيسبوك (Facebook)
في عام 2012، وقبل تداول أسهم الطرح الأولي لشركة فيسبوك. جاء تحديد السعر بـ ٣٨ دولاراً، وكان أكبر الاكتتابات في مجال التكنولوجيا والإنترنت. في اليوم الأول للتداول، كان أداء السهم “مخيب للآمال” بالنسبة للمكتتبين؛ فما أن طُرق جرس الإغلاق لذلك اليوم، إلا وسعر الإغلاق للسهم ٣٨.٢٣ دولاراً. ٢٣ سنت فقط على السعر النهائي لأسهم الطرح.
مجموعة علي بابا (Alibaba Group)
بينما في عام ٢٠١٤ قررت شركة علي بابا الصينية إجراء الطرح العام الأولي لأسهمها في بورصة نيويورك. كان في وقتها ”الاكتتاب الأكبر في العالم” وظلت حاملة لهذا اللقب إلى أن انتزعته شركة أرامكو انتزاعاً بإعلانها تحديد السعر النهائي لأسهم الطرح. حددت شركة علي بابا سعر أسهمها بـ ٦٨ دولار أمريكي معتقدة أنه السعر الحقيقي الذي يعكس قيمة الشركة السوقية. في اليوم الأول لتداول السهم كانت المفاجأة؛ وصل سعر تداولات السهم في أعلى مستوياتها عند ٩٩ دولار، وعند جرس الإغلاق كان سعر السهم قد استقر عند ٩٣ دولار. بارتفاع ٢٥ دولار أو ما نسبته ٣٨٪.
اليوم الأول للتداول بمثابة يوم النتائج؛ يُكرم فيه المستشار المالي (أو يُهان). حيث يظهر مدى دقته في تحديد النطاق السعري لأسهم الاكتتاب وسعرها النهائي دون إفراط (Overpricing) أو تفريط (Underpricing). ففي المثال الأول، كان تحديد سعر أسهم الشركة يتميز بالدقة النسبية حيث تمكنت الشركة من الحصول على أكبر مبلغ ممكن عن طريق الاكتتاب، بينما تركت المضاربين والمستثمرين في “خيبة أمل” حيث لم تترك الشركة إلا بضع سنتات على طاولتها. بينما في المثال الثاني كان بمقدور خزينة شركة مجموعة علي بابا الحصول على مبالغ أكبر عن طريق الاكتتاب الأولي؛ ولكن نتيجة للتفريط من جانب المستشار المالي بتحديد السعر النهائي بأقل من سعرها الحقيقي في السوق – أو ما يُعرف بـ Underpricing الأمر الذي أدى إلى أن الشركة تركت على الطاولة أموالاً كان بمقدورها الحصول عليها لو حُدد السعر النهائي لأسهمها بسعر يعكس قيمتها الحقيقية. فإذا كان السعر النهائي لأسهم الاكتتاب لا يعكس القيمة السوقية للشركة، فالمستثمر والمضارب سوف يتداول السهم في يومه الأول حتى يصل به إلى مستويات تعكس قيمة الشركة بطبيعة الحال سيكون الفارق بين السعر النهائي لأسهم الاكتتاب وسعر الشركة في السوق أموالاً من نصيب المكتتبين والمضاربين.
وجود فارق إيجابي بين السعر النهائي لأسهم الاكتتاب وسعر التداول في اليوم الأول أمر محبذ؛ حيث تحرص الشركات على تحديد السعر النهائي على نحو يسمح بتداول السهم في اليوم الأول بارتفاع لا يتجاوز ١٥٪ من سعر الاكتتاب من أجل مكافأة المكتتبين الذين خاطروا وراهنوا على اكتتاب الشركة من جانب، والأثر الإيجابي على أداء السهم من جانب آخر. لكن بمجرد تجاوز الفارق ١٥٪ قد يكون ذلك مؤشر أن الشركة لم تُقيم بالشكل الصحيح كما حدث لمجموعة علي بابا أو حتى شركة لينكدإن LinkedIn عندما تجاوز الفارق في اليوم الأول للتداول ١٠٧٪ (حيث كان السعر النهائي لأسهم الاكتتاب ٤٥ دولار أمريكي، بينما وصل سعر السهم بنهاية اليوم الأول للتداول ٩٤.٢٥ دولار أمريكي).
وبذلك، فكل ما يُتداول ويُشاع عن اليوم الأول لتداول أسهم شركة أرامكو السعودية لا يتجاوز حد التنبؤات والتوقعات التي قد تصيب أو تخيب؛ إذ أنه من الصعب الجزم بتصرفات المكتتبين بين مُبقي على أسهمه وبين بائعٍ يريد الخروج بأي هامش ربح من جهة، وبين ردة فعل السوق وتعاطيها مع عوامل استثنائية كثيرة ترافق هذا الطرح. علاوة على ذلك، فقد حددت نسبة التذبذب اليومية للسهم بـ ١٠٪. وهو النطاق المقبول للتغير في سعر أسهم الطرح. فما أن يُطرق جرس الإغلاق في يوم الأربعاء (اليوم الأول لتداول الأسهم)، ستجد الإجابة على هذا التساؤل تنتظرنا، لنعرف ما إذا كانت الشركة تركت أموالاً على طاولتها للمكتتبين أو لا.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال