الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لا جدال في أن أغلب الاقتصادات العالمية تعتمد على مساهمة الشركات العائلية في نموها. مما يدعم الاقتصادات والمجتمعات التي تتواجد فيه. خاصة أن الشركات العائلية تملك القدرة على الاستثمار النوعي طويل الأجل. ولكن لا تصل هذه الشركات الى هذا المستوى من التأثير العالي الا بعد أن تكون قد عاشت مراحل عمرية تطورت خلالها وبمنهجية مؤسساتية للانتقال من أشكالها الصغيرة لتصل الى احجام كبيرة ومؤثرة.
أمام الحاجة لمثل هذه الشركات العائلية نجد ان عددها لا يزيد لدينا بالمملكة. مما يعطي إشارة بأن هناك خطب ما في مسيرة هذا النوع من المؤسسات التي مازالت في احجامها الصغيرة أو المتوسطة. ونرى الكثير منها ينهار وغير قادر على الاستمرار بالرغم من تواجدها لمرحلة زمنية ليست بالقصيرة. وقد نبه البنك الدولي لهذه المسألة المقلقة عالمياً عام 2009 لما لهذه الشركات العائلية خاصة الصغيرة والمتوسطة من دور هام جدا في نمو اقتصادات الدول بسبب أداءها العالي مقارنة بالشركات الغير عائلية كما بينت نتائج عدة دراسات قامت بها.
والسؤال هنا: لماذا تنهار هذه الشركات العائلية – صغيرة ومتوسطة الحجم – وكيف لها أن تستمر في مسيرتها نحو المستقبل؟
كثرت انهيارات هذه النوع من المنشآت لدينا بالرغم من ظهورها كمؤسسات عاملة وتبدو أمورها على ما يرام اعتمادا على سيرة مؤسسيها في السوق. بينما الأمور في الباطن ليست كما هي في الظاهر. هنا لن نتطرق لأسباب إخفاقات هامة مثل قِدَم الهيكلة الإدارية وصعوبات التمويل وتراكم المديونيات وشراسة المنافسة بحكم تغيرات السوق. ولكن سبب هام متعلق بالتصادم بين جيلين على ملكية وقيادة دفة اعمال الشركات.
فالجيل المؤسس عادة يتمتع برؤية تقليدية خاصة به. ويمتاز بالعمل بأمانة وشفافية، وله أخلاقياته في التعامل والمعاملة، وتحمل المسئولية. وهو محق في قناعاته الخلوقة. ويأتي الجيل الجديد الذي يرى تغيرات السوق وفرص المكاسب برؤية أعرض وأعمق والتي تتوجب تغيير في منهجية العمل لتتواكب مع التغيرات الحديثة والمتسارعة في ظل صعوبة المنافسة. وهو أيضاً محق في وجهة نظره. الا أن تطبيق الجيل الجديد للتغيير المنشود – مع اهمال موروث بناه الجيل المؤسس – لا يكون بالشكل الصحيح أو يشوبه الكثير من الخلل. خاصة انه جيل لم يتعب في التأسيس ويرى نفسه من الملاك. وايضاً عدم مراعاته لأخلاقيات المجتمع والسوق الذي سيعمل فيه ويرى نفسه الإداري المبتكر المحترف. سيما إذا كان متسلح بمعرفة متطورة وقيم ربما تتناسب مع مجتمعات حديثة ولكن ليس بالضرورة ان تكون مناسبة لمجتمعنا الذي لا يحتاج الى المعرفة والقيم فقط ولكن الى المبادئ وهي خط أحمر في ثقافتنا. فيتسبب هذا الجيل في كوارث تؤدي للانهيار بسبب فضائح أخلاقية محتملة في ممارسة العمل التجاري وخسائر مالية فادحة نتيجة التسرع والمخاطرة في اتخاذ القرار.
من المهم أن ندرك أن الفضائح الأخلاقية في ممارسة العمل التجاري والخسائر المالية كان لهما الدور الأساس للاهتمام بما يعرف بحوكمة الشركات (Corporate Governance) والتي بانت بوادر الاهتمام به على يد الباحثين بيرل ومينز عام 1932. الا أن هذا الاهتمام تحول الى مطلب جاد في التقرير الصادر من منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD) عام 1999 والذي يعتبر اعتراف رسمي بهذا المصطلح بعد تكاثر الممارسات اللاأخلاقية والفضائح المالية في أوروبا. وارتفعت وتيرة أهمية الحوكمة في الولايات المتحدة بعد سلسلة من الفضائح والاخفاقات المالية في شركات كبرى أدت الى انهيارها. وقد استفادت الكثير من الشركات العائلية في الغرب من تطبيق مبدأ الحوكمة الذي عمل على تأسيس ما يمكن أن نسميه بالدساتير العائلية في نشاطها التجاري.
في المملكة، قدمت وزارة التجارة والاستثمار دليل استرشادي في حوكمة الشركات العائلية عام 2014. والتي تعتبر مبادرة رائعة جداً لخدمة هذا النوع من الشركات في مواجهة مشكلات بقائها. وأيضا خدمة للاقتصاد الوطني لما لهذه الشركات دور في المساهمة فيه. هذا الدليل قدم منهجية لأصحاب هذه الشركات لكي يتبعوه للحفاظ على ما أسسوه وينطلقوا نحو تعظيم مساهمة منشآتهم مستقبلاً.
على الجيل المؤسس أن يدرك أنه لابد من وضع خطة عمل لتسليم الراية للجيل الجديد بعد نقل الحكمة المتراكمة وتأهيله لقيادة المسيرة لتطوير العمل والانتقال لحجم مؤسساتي وتموضع سوقي أكثر تأثيرا في الاقتصاد الوطني. وهذا يتطلب تطبيق حوكمة فاعلة تضع النقاط على الحروف بخصوص أساسيات واخلاقيات العمل التي تركز في المقام الاول على فصل ملكية الشركة ومجلس ادارتها. وتعريف مفصل لرؤية المنظومة واخلاقيات العمل والشفافية والنزاهة والعدالة في المعاملة والقيادة المسئولية والمسائلة. وحفظ حقوق المساهمين من جهة وتعزيز القيمة الاقتصادية للمنظومة من الجهة الأخرى
المسئولية مشتركة بين الجيل المؤسس القابع في قوقعته ويعتقد أن ما أسسه سيبقى مهما كانت المتغيرات. والجيل الشاب المكمل للمسيرة نحو الانطلاق الذي يحتاج أن يفهم ويعي أن الطمع ليس طموح والتحايل ليس ابتكار. لذلك، تطبيق الحوكمة مسألة محورية لفصل الملكية عن مجلس إدارة هذه الشركات. وفي استمرار هذه المؤسسات نحو التطور والمساهمة في الاقتصاد الوطني بشكل فاعل ومؤثر مثل الشركات العائلية الكبرى. والأهم هو روابط وتكاتف العائلة وحمايتها من التصادم او النزاع بسبب الاعمال التجارية.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال