الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تشخِّص خطط التنميَّة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة رفاهية أفراد المجتمع ومستقبلهم هدفًا مركزيًّا. وتوظِّف الأجهزة التخطيطيَّة قدرات مواطنيها لإعداد الاستراتيجيَّات التنمويَّة وتنفيذها. وتعتمد على تراكم خبراتهم لضمان استمراريَّة عمليَّة البناء والتطوُّر الاجتماعي والاقتصادي. فالمواطن إذًا هو هدف التنمية ومادَّتها وضمان نجاحها وديمومتها.
نتيجة لاختلال التوازن بين الأهداف العامَّة للخطَّة وأدوات تنفيذها، فقد أخفق العديد من خطط التنمية الوطنيَّة في تحقيق أهدافها، وعجزت عن بناء المواطن الواعي، أخفقت كذلك في إعداد الكفاءات الوطنيَّة القادرة على صيانة المنجزات المتحقَّقة وتعزيزها، والتعامل مع تحدِّيات المستقبل.
تهيئة الخبرات الاستشاريَّة الوطنيَّة، وتنمية رأس المال البشري، وإعداد قيادات وطنيَّة متخصِّصة قادرة على وضع برامج البناء والتطوُّر الاجتماعي والاقتصادي وتنفيذها، تعدُّ ضرورة تنمويَّة حيويَّة تستحقُّ أن تحظى باهتمام أصحاب القرار ودعمهم.
ثمَّة نقاش دائر في الأوساط الاقتصاديَّة والماليَّة في غالبيَّة الدول النامية، من ضمنها أقطار الخليج العربي والأقطار العربيَّة الأُخرى، على جدوى الاستخدام المكثَّف لمكاتب الاستشارات الاقتصاديَّة والإداريَّة الأجنبيَّة وكفاءتها ومصداقيَّتها. وعلى ضآلة دورالكفاءات الاستشاريَّة الوطنيَّة، ومستقبلها في ضوء هيمنة المكاتب الأجنبيَّة على سوق الخدمات الاستشاريَّة والتخطيطيَّة في تلك الدول. وبالرغم من امتلاكها أطقم وطنيَّة لا تقلُّ خبرةَ عن مستخدمي المكاتب الأجنبيَّة. وبالتأكيد أكثر دراية بعمق التحدِّيات الاقتصاديَّة الوطنيَّة، وتفاصيل التركيبة الاجتماعيَّة. وكذلك أكثرحرصًا على تنفيذ برامج التنمية الوطنيَّة وتحقيق أهدافها.
لا خلاف في موضوع التفوُّق المرحلي لقدرات المكاتب الاستشاريَّة الأجنبيَّة على إمكانيَّات المكاتب الوطنيَّة كمًا ونوعًا، لخبراتها المتراكمة الناجمة عن تنفيذ آلاف المشاريع في دول عديدة، وعقود من الزمن. وبسبب حجم مواردها البشريَّة، ووفرة إمكانيَّاتها الماليَّة، وقدراتها التنافسيَّة.
ومع كلِّ ذلك، فسجل مكاتب الاستشارات الأجنبيَّة حافل بالتجارب الفاشلة. وخططها ودراساتها معرَّضة للتقديرات والتوقُّعات والتوصيات الخاطئة. جلُّ الشركات الكبرى التي أعلنت إفلاسها في الدول الصناعيَّة المتطورِّة، اعتمدت استراتيجيَّات وخطط عملٍ وضعتها مكاتب استشاريَّة متقدِّمة، واعتمدت مشاريعها بناء على دراسات جدوى اقتصاديَّة وماليَّة، وتوصيات معدَّة من تلك المكاتب! كذلك، الكثير من المشاريع الاقتصاديَّة العامَّة والخاصَّة المتعثِّرة في دول الخليج العربي، اعتُمِدت بناء على دراسات وتوصيات أعدَّتها مكاتب استشاريَّة أجنبيَّة.
ثمَّة نقطة تستحقُّ التوقُّف عندها والتنويه. المكاتب الاستشاريَّة في النظم المتطوِّرة لا تسهم في وضع الاستراتيجيَّة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة للحكومات المركزيَّة، أو الحكومات المحليَّة. مسؤوليَّة وضع السياسات العامَّة وخطط التنمية في تلك النظم مناطة حصـريًّا بالهيئات الرسميَّة والمؤسسَّات الحكوميَّة التي قد تستعين بتوصيات مراكز البحوث والدراسات غير الربحيَّة، أو قد تمنح دورًا تنسيقيًّا محدودًا للمكاتب الاستشاريَّة الخاصَّة. نشاط المكاتب في تلك النظم، مقتصـر على إعداد دراسات جدوى المشاريع والدراسات الاقتصاديَّة للشركات الخاصَّة أو لقطاعات معيَّنة.
التوازن بين المتطلَّبات الآنيَّة لخدمات مكاتب الاستشارت الأجنبيَّة وضرورات توظيف الخبرات الوطنيَّة، وتمكينها من تطوير قدراتها الاستشاريَّة، قرار لا يخلو من تحدِّيات، وأسهم في توسع دور الشركات الاستشاريَّة الأجنبيَّة في المنطقة. ولحاجة الاستراتيجيَّات المستقبليَّة وبرامج التحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيّة إلى خطط تفصيليَّة، وبرامج تنفيذيَّة آنيَّة غير قابلة للتأجيل، لجأت الحكومات إلى توظيف خبرات الشركات الأجنبيَّة.
مقابل ذلك، واجهت المكاتب الاستشاريَّة الوطنيَّة تحدّيات صعبة، ومنافسة حادَّة، وتشكيكًا في أدائها وفي كفاءة خبرائها وقدراتهم على وضع خطط استراتيجيَّة وتنفيذها، وغيرها من مواقف سلبيَّة صادرة عن أوساط غير رسميَّة. هذه التقديرات الخاطئة، نجمت عن عوامل عدَّة؛ أهمُّها المفاهيم الخاطئة- “False paradigms ” التي أسهمت شركات أجنبيَّة في تعميمها، وغرسها في الذاكرة الفرديَّة والثقافة الوطنيَّة. الأمر المحفِّز والمشجِّع للمكاتب الاستشاريَّة الوطنيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة، صدور توجيهات ملكيَّة نصَّت على التوسُّع في التعاقد مع المكاتب الوطنيَّة، وعلى عدم التعاقد مع المكاتب الاستشاريَّة الأجنبيَّة إلَّا في أضيق الحدود.
هناك الكثير من المعطيات التي تشير إلى أنَّ دول المنطقة زاخرة بالقدرات والخبرات التخطيطيَّة والتنفيذيَّة، وقد برهنت قدرتها على تخطيط العديد من المشاريع المتميِّزة وتنفيذها بنجاح واقتدار.
مسؤوليَّة تهيئة الكفاءات الاستشاريَّة الوطنيَّة، وتطوير قدراتها، وتسهيل مشاركتها في خطط التنمية وزيادة حصَّتها السوقيَّة لا تنحصر بالحكومة والمؤسَّسات الرسميَّة، بل هي مسؤوليَّة مجتمعيَّة، تتطلَّب إسهام مؤسَّسات القطاع الخاص؛ الجامعات والمعاهد التعليميَّة والمكاتب الاستشاريَّة الوطنيَّة إلى جانب الدور القيادي للمؤسَّسات الرسميَّة.
تتحمَّل العبء الأكبر، إدارات مكاتب الاستشارات الوطنيَّة المطالبة بتطوير مهارات قواها البشـريَّة وخبراتها النظريَّة والتطبيقيَّة، والتركيز على التميُّز النوعي، وزيادة قدراتها التنافسيَّة، وتقليص فجوة الخبرة مع منافسيها الأجانب، والعمل على خلق الطلب على خدماتها. كما أنَّ إدارات المكاتب الاستشاريَّة الوطنيَّة قادرة على تعزيز قوَّاتها التنافسيَّة وزيادة حصَّتها السوقيَّة من خلال إقامة علاقات التقديم المشترك للمشاريع، أو التكامل والاندماج بالمكاتب الأُخرى لتكوين وحدة استشاريَّة أكثر فعاليَّة وقوَّة.
شركات القطاع الخاص، لها دور هامٌّ في تطوير الكفاءات التخطيطيَّة والاستشاريَّة الوطنيَّة من خلال دعمها، ومنحها الأفضليَّة في مهام إعداد دراسات الجدوى وخطط العمل وبرامج التطوير الإداري والاقتصادي، وغيرها من الخدمات التي غالبًا ما تكون كلفها أقلَّ من كلف الدراسات المعدَّة من قبل المكاتب الأجنبيَّة.
دور الدولة والمؤسسَّات الحكوميَّة في تنمية الكفاءات الاستشاريَّة الوطنيَّة، وتطوير قدراتها وزيادة إسهاماتها في خطط التنميَّة قيادي وحاسم. والخيارات المتاحة أمامها لتحقيق ذلك متعدِّدة ومتنوِّعة. أهمُّها؛ التنسيق مع الجامعات والمعاهد التعليميَّة لخلق برامج ودورات معرفيَّة خاصَّة بتطوير الكفاءات الاستشاريَّة القياديَّة. وتنظيم المؤسَّسات الحكوميَّة حلقاتٍ تطويريَّة متخصِّصة لأطقم المكاتب الاستشاريَّة، وحصر عقود مؤسسَّات حكوميَّة معيَّنة بالمكاتب الوطنيَّة. منح الأفضليَّة لشـركات وطنيَّة، والاستخدام الضيق للمكاتب الأجنبيَّة أسوة بنهج المملكة العربيَّة السعوديَّة، إلزام المكاتب الأجنبيَّة باستخدم كفاءات وطنيَّة في الحلقات المتقدِّمة لعقود إعداد دراسات، وخطط القطاع العام.
إعداد كفاءات وطنيَّة متخصِّصة وقادرة على الإسهام في إعداد استراتيجيَّات التنمية، وتخطيط لبرامج التطوُّر الاجتماعي والاقتصادي وتنفيذها. وتهيئة الخبرات الاستشاريَّة الوطنيَّة، ضرورةُ وطنيَّة حيويَّة تسهم في تنفيذ أهداف الخطط الآنيَّة وتحقيقها، وتضمن ديمومة التطوُّر والرفاهية.
ختامًا، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ فكرة الكتابة في هذا الموضوع راودتني منذ أمد. لكن المقال القيِّم للأستاذ بندر بن محمد السفيِّر؛ الموسوم ” تجربتي الشخصيَّة مع المكاتب الاستشاريَّة الأجنبيَّة “، المنشور في صحيفة مال الغرَّاء يوم 20 مايو 2020، حفزني للكتابة فيه، ونشر هذه المشاركة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال