الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في المقال الأول من هذه السلسلة ذكرت بأنني سوف أكتب عن المواضيع ذات العلاقة بين الاقتصاد والتعليم، وللوهلة الأولى يبدو أن موضوع مقال اليوم (التعبير) لا علاقة له بالاقتصاد، لكن الواقع أنه في صلب الاقتصاد.
بداية التعبير في ذاته اقتصاد كما في القصة والرواية والمسرح والصحافة والتلفزيون والسينما ومعارض الكتب وغيرها، فكل تلك القطاعات الاقتصادية قائمة على التعبير. ثم إن جوانب مهمة في العمل الاقتصاد تعتمد بشكل مباشر على القدرة على التعبير، في مقدمتها الإدارة، والتسويق. القدرة على التعبير تكسب صاحبها الثقة في النفس، وهي الصفة الأهم في الحياة العملية، وأكثر من ذلك تكسبه قدرة على فهم العلوم والأشخاص والثقافات والحياة.
لكن دعونا من كل ذلك ولننظر لأهم مرحلة من مراحل دخول الشاب للعمل وبعض تخصصات الدراسات العليا وهي المقابلة الشخصية، إذ تمثل النقطة الفاصلة في المفاضلة بين المميزين من المتقدمين، وكيف أنها تعتمد على القدرات التعبيرية بنسبة تتجاوز 70٪. وكم نرى في الواقع العملي من أشخاص مميزين في تخصصاتهم لا يستطيعون الوصول إلى مواقع تليق بهم بسبب عدم قدرتهم على التعبير. وكم من أشخاص حققوا مكاسب كبيرة جدا ربما بعضهم لا يستحقها كما في مواقع التواصل الاجتماعي، والسبب قدرتهم على التعبير.
التعبير إحدى أكثر المواد ظلما في التعليم السعودي. حيث بقيت زمنا بدون منهج، مجرد مادة ضمن الجدول الدراسي يدرسها في الغالب معلم اللغة العربية، وهو من يختار موضوعات ومهارات المادة وطريقة تدريسها. ولعدم وجود منهج واضح، كانت اجتهادات المعلمين تحكم مخرجاتها في كل مدرسة بذاتها، والطلاب المحظوظين من يرزقون بمعلم يملك مهارات التعبير والكتابة الإبداعية. وفي الغالب أولئك المعلمين نوادر جدا. لذلك بقية المادية هشة وضعيفة ومواضيعها تتكرر بطريقة رتيبة ومملة، ويكتب الطلاب بطريقة تعتمد كليا على قدراتهم الخاصة لا على مهارات تعلموها من خلال المنهج. أي أن مادة التعبير لا أثر لها في صقل مهارات الطلاب التعبيرية.
لاحقا تم وضع منهج بسيط للتعبير، لكن ليس بشكل منفصل بل ضمن مواد اللغة العربية، والحقيقة لا يمكن تسميته بالمنهج، بل بعض الأفكار المحددة والبسيطة، يكتب عنها الطالب بطريقته الخاصة دون وجود مهارات وأساليب واضحة يتعبها الطالب، أيا أن الأمر متروك كما في السابق لقدرات المعلم. وهذا يعني أن التعبير لم يحض بمنهج يتضمن مهارات وطرق تعبيرية محددة يستطيع الطالب من خلالها التعرف على أساليب التعبير لفظيا وكتابيا وممارستها.
الإشكالية الثانية مع التعبير تكمن في الجدول. ففي السابق عندما كانت مادة منفصلة، خصص لها حصة واحدة في الأسبوع، وتأتي في نهاية اليوم الدراسي غالبا. ومع هذه الحالة من عدم الاهتمام بها في الجدول الدراسي مع عدم وجود منهج طوال سنوات دراسة الطالب فقدت مادة التعبير أهميتها في نفوس الطلاب، وبالتالي عدم الاهتمام بها وعدم إتقانها. وزاد الأمر سوءا بعد دمجها ضمن مادة اللغة العربية في جميع المراحل، حيث تحولت لمجرد تمارين بسيطة ضمن بعض المواضيع، لا يدرك الطلاب أهميتها وهدفها.
ثالثا بالنظر للنقطتين السابقتين من عدم وجود منهج وضعف الاهتمام بالتعبير ضمن الجدول الدراسي، لم يكتسب التعبير كمادة أو منهج اهتمام معظم المعلمين، لذلك يتعاملون معه كما ظهر في (طاش ما طاش) (وكل شيء محترم). قلة من المعلمين من يرى في التعبير قمة العلوم، لأنه بكل اختصار لسان العلم. لذلك يولونه اهتمامهم ويبذلون من أجله الكثير من الإعداد والعمل، خصوصا داخل الفصل. وتحديدا في صقل مواهب الطلاب وتنمية مهاراتهم التعبيرية لفظيا وكتابيا. لكن هؤلاء المعلمين المميزين لا يمثلون قاعدة التعليم بل الشاذ عن القاعدة.
أخيرا لا وجود للتعبير في المواد الأخرى، وكأن لا قيمة له في فهم تلك المواد وإظهار معارف الطالب وقدراته وخبراته. والسبب ضعف تدريس التعبير أولا، وضعف الترابط بين المواد ثانيا كما ذكرنا سابقا. مثلا الطالب في مادة الرياضيات يخلط بين التعابير الصحيحة في العمليات الحسابية. وذلك الخلط يضعف قدرته على فهم مهارات الرياضيات واستخدامها، وهو مشاهد بوضوح حتى في المرحلة الثانوية، وذلك حال جميع المواد الدراسية مع التعبير.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال