الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
نشرت مجلة “الإيكونيميست” ذائعة الصيت في عددها الصادر في 18 يوليو الماضي تقرير بعنوان: “نهاية عصر النفط في العالم العربي قريبة”. زُعم في مجمل التقرير بأن نهاية عصر النفط في الدول العربية المنتجة للنفط باتت قريبة، وأن أموال النفط – كما جاء في التقرير – ستنتهي وبالتالي ستكون النتيجة مؤلمة، وإن هذه الدول ليس لديها حتى الآن خطط بديلة لاقتصاداتها القائمة على أموال النفط في سد عجز ميزانياتها، وليس لهذه الدول إلا أن تتكيف مع هذا الوضع الجديد.
لو رجعنا بالذاكرة الى الوراء قليلا، سنجد تقرير سابق على نفس المجلة – نُشِر في أكتوبر 2003 – بعنوان “عصر النفط ينتهي”. ذُكِر في ذلك التقرير بأن “أوبك” على وشك الانتهاء، وقد رأينا اليوم بأن منظومة “أوبك” قائمة وأنشئت “أوبك +” التي تظهر اليوم تضامن وتوافق في الآراء لإعادة السوق لحالة التوازن بقيادة المملكة. ما حصل أثبت خطأ توقع تقرير مجلة “الإيكونيميست” الذي نشر قبل 17 عام.
والسؤال هنا: هل سيكون مصير التقرير الحالي هو نفس مصير التقرير السابق الذي ثبت خطأه بعد 17 عاما من نشره؟
لإثارة هالة ذعريه حول الموضوع، اعتمد التقرير على حقائق مثل انخفاض أسعار النفط بعد عمليات الإغلاق الشاملة وسط انتشار فيروس كورونا، متوقعًا أن تنخفض موارد الدول المنتجة للنفط في عام 2020 إلى نصف ما حصلت عليه في 2019. كما أشار التقرير إلى توقعات صندوق النقد الدولي بانكماش اقتصادات هذه الدول العربية المنتجة للنفط بمستويات عالية نسبيا حتى بعد تراجع الجائحة، مشيرًا إلى أن السبب هو “الاكتظاظ في إمدادات النفط”، مما سيؤدي إلى انخفاض أعمق لأسعار النفط.
بعيدا عن مسألة الانكماش الاقتصادي – وهي جدلية مغالطة لأن الانكماش سيطول كل اقتصادات العالم بسبب توقف الإنتاج ومن ثم تأثر العرض والطلب والتبادل التجاري وفقد الوظائف – تختفي الموضوعية في مناقشة الأمر عندما لا يميز التقرير ويفرق بين انخفاض الطلب المؤقت بسبب جائحة طارئة، أو بسبب تدهور هيكلي للأسواق. فمن غير المنطقي على الإطلاق ربط اقتصاد نفطي عالمي تباطأ – أثناء جائحة عالمية – بنهايته، خاصة أن الحقائق على أرض الواقع أظهرت أن أسعار النفط بدأت في التعافي ومستقرة لأكثر من شهرين، وتحوم حاليا أسعار برنت في منحنى تصاعدي متجاوز حاجز 40 دولارًا للبرميل، مما يعني أن مستوى أسعار النفط في حالة انتعاش تدريجي.
أما بخصوص عدم وجود خطط مستقبلية في هذه الدول العربية المنتجة للنفط، فإذا أخذنا رؤية المملكة 2030 – على سبيل المثال – سنجد أنها قائمة وإن تباطأت بعض برامجها لأهمية مواجهة طارئ الجائحة العالمي، وهو أمر طبيعي وحاصل مع جميع المشاريع والخطط الحكومية حول العالم.
لا ننكر بأن جائحة فيروس كورونا كانت بمثابة صدمة شديدة على كافة الأصعدة، وكما ألمحت في مقالة سابقة بأن هذه الجائحة ربما تكون قد عجلت بقرار استبدال “مزاج” الاقتصاد العالمي من النفط للابتكار – الذي كان من المقرر تغييره بالفعل – إلا أن هذا لا يعني نهاية الاحتياج للنفط، خاصة أن النفط يمثل أساس الصناعات التحويلية، ودول الخليج المنتجة تدرك هذه الحقيقة وتعمل في هذا التوجه.
أعتدنا على قراءة تقارير حول نهاية عصر النفط التي لم تثبت صحتها منذ السبعينيات من القرن الماضي، وهذا التقرير غالبا سيكون من ضمنهم، خاصة وقد ظهر فيه ارتباك فيما يخص قراءة التأثير المؤقت لجائحة فيروس كورونا على سوق النفط العالمي، مع قصور في الرؤية حول أهمية دور النفط في الصناعات التحويلية عالميا، مما أوصل التقرير لجدلية مُغالِطة مفادها اقتراب نهاية عصر النفط في الدول العربية المنتجة له دون غيرها.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال