الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تجربة الأَسابيع والأشهرالمنصرمة تركت تبعاتها القاسية على مسارحياة غالبيَّة سكَّان الأرض، فأجهدت شريحة كبيرة من البشر بما أملته عليهم من واجبات عملَّية وحياتيَّة صعبة، وأثقلت آخرين بما فرضته عليهم من مهام فكريّة مرهقة. سنبتعد في هذه المشاركة قليلًا عن منحنى الطلب ومصائبه، ودالَّة العرض ومشاكلها، ونتوقَّف عن البحث في آليَّات خلق فرص عمل، وتنمية الدخل الفردي، ورصد آثار الذكاء المصنَّع على سوق العمل. ونرجئ مؤقَّتًا البحث في تحديد معوِّقات نموِّ الاقتصاد، ومشاكل الاستقرار، وضرورات الاستدامة. ونرحل معًا في نزهة فكريَّة نستمتع بها بقصَّة الاقتصاد الكلِّي، ونقدِّم موجزًا تاريخيًّا لتطوُّر نظريَّاته ومفاهيمه. وجلاء أبرز سجالَّاته الفكريَّة الاقتصاديَّة، ونتعرَّف إلى بُناة علم الاقتصاد الكلِّي وإسهاماتهم القيَّمة.
يعود تاريخ الاقتصاد الكلِّي إلى العام 1936/ وإلى الاقتصادي الإنكليزي الكبير، وأشهرعلماء الاقتصاد جون مينارد كينز” John Maynard Keynes ” ونشر كتابه القيِّم: ” النظريَّة العامَّة للاستخدام والفائدة والنقود”.“General Theory of Employment, Interest and Money” . شكَّل صدور هذا الإنجاز الفكري القيِّم قاعدة تحوُّل كبرى في تاريخ الفكر الاقتصادي، وأحدث ثورة اقتصاديَّة استقطبت اهتمامًا استثنائيًّا، وهيمنت طروحات النظريَّة على فكر الاقتصاديِّين، وأغوتهم بشكل شبه مطلق لعقد من الزمن. ثمَّ ما لبث أن خفَّ الحماس لاحقًا بظهور طروحات بديلة مضادَّة. لم يكن ” كينز” غافلًا عن محدوديَّة التأثير الزمني لنظريَّته. فقد أدرك مسبقًا – وفقًا لحوارمع صديق له نُشِرِلاحقًا- قصر أمد هيمنتها.
ما حقَّقه كينز من نجاح، عزاه كثيرمن المؤرِّخين الاقتصاديَّين إلى الظرف التاريخي المناسب. فكارثة الكساد العظيم كانت قد أنهكت المجتمعات، وأفرزت تداعيات اجتماعيَّة واقتصاديَّة مدمِّرة. وكشفت محدوديَّة نظريَّة الدورات الاقتصاديَّة “Business Cycle Theory “؛ المصطلح الذي أُطلق على هيكل الاقتصاد الكلِّي آنذاك، والنظريَّة المعتمدة في تحليل تقلُّبات الأداء الاقتصادي التي فشلت في تقديم تفسيرات عقلانيَّة مقبولة لأسباب الكساد وعمقه وأمده، وسبل معالجته.
هذا العجز النظري عن تفسير الكساد ومعالجته، وضع الحكومات ومتَّخذي القرارات إزاء معضلة معقَّدة بسب عدم امتلاكهم حلولًا لطوابير الباحثين عن الطعام، وجيوش البطالة المتفاقمة. من عمق هذا المأزق الاقتصادي، استمدَّت النظريَّة العامَّة جاذبيَّتها، لكونها قدَّمت تفسيرًا مقبولًا لتقلُّبات مستوى الانتاج، وطرحها سياسات معالجة واضحة. والأهم من ذلك، تقديمها مبرِّرات مقنعة لتدخُّل الحكومة في النشاط الاقتصادي. لقد شكَّك “كينز” في صواب نظريَّة الدورات الاقتصاديَّة، وفي قدرة الأسواق على التصحيح الذاتي. استندت حجَّته الأساسيَّة على صعوبة عودة الأسواق المضطربة إلى حالة التوازن، أو إلى “المعدَّل الطبيعي” للإنتاج بشكل سريع، وبدون تدخُّل الحكومة المباشر لتحفيز الطلب الفعَّال والإنتاج على المدى القصير.
ترتكز (المدرسة الكينزيَّة)، ونظريَّتها العامَّة على الدور المحوري للطلب الفعَّال “ Effective Demand ، أو كما يُعرَّف اليوم بِـ (الطلب الكُلَّي-Aggregate Demand) في تحديد مستوى الإنتاج والنشاط الاقتصادي. في اشتقاقه “الطلب الفعَّال”، قدَّم “كينز” أحد أهمِّ محرِّكات الاقتصاد الكلِّي المعاصر، وأكثرها قوَّة وتأَثيرًا. حجم تأثير الطلب الكلِّي على الأسواق والإنتاج في (النموذج الكينزي)، يعتمد على ثلاثة متغيِّرات أو محدِّدات: أوَّلها “المضاعف”. هذا المتغيِّر يفسِّركيف أنَّ زيادة أوَّليَّة محدَّدة في الطلب الكلِّي يتضاعف تأثيرها، وتقود إلى ارتفاع الإنتاج بنسبة أكبرمن الزيادة الأوَّليَّة في الطلب. المتغيِّر الثاني، تفضيل السيولة ” Preferences Liquidity “، وهي التسمية التي استخدمها كينز لمعادلة الطلب على النقود. هذا المتغيِّر، يوضِّح العلاقة بين عرض النقد وكلٍّ من معدَّلات الفائدة، والطلب الفعَّال. أمَّا المتغيِّر الثالث الأخير، فيكمن في “التوقُّعات” ودورها كأحد مصادر تقلُّبات الطلب والإنتاج، وتأثيرها في قرارات الاستهلاك، والاستثمار.
لا تنحصر قيمة الإضافات الفكريَّة والاقتصاديَّة التي قدَّمها “كينز” في النظرية العامَّة في تنشيط البحث والحوارات الاقتصاديَّة الجادَّة، وفي إيجاد أبعاد اقتصاديَّة جديدة فقط ، بل ايضا في ما قدَّمته من حلول وسياسات اقتصاديَّة تمكِّن أصحاب القرار من إبقاء الاقتصاد في مساره الطبيعي، أو إعادته إلى حالة التوازن، أو شبه التوازن باستخدام أدوات السياستين الماليَّة والنقديَّة.
لقد تمكَّنت (المدرسة الكينزيَّة) من تحقيق تغيير جذري في هيكل الاقتصاد الكلِّي ومفاهيمه وسياساته لسنوات عديدة، ونجحت في استقطاب اهتمام الاقتصاديِّين والساسة، وأثارت سلسلة من المساجلات النظريَّة الجادَّة والمتجدِّدة. لكن مع بداية عقد الخمسينيَّات من القرن المنصرم، بداء الانحسار التدريجي لحماس الاقتصاديِّين عن الطروحات الكينزيَّة وتأثيراتها. هذا التراجع، تزامن مع بروز تيَّار اقتصادي، تكوَّن من دمج أفكار كينز الأساسيَّة بأفكار الاقتصاديِّين الكلاسيكيِّين الأوائل، أُطلق عليه “التوليف الكلاسيكي المحدث” Synthesis “ “Neoclassical. ولمدَّة عقدين من الزمن، ابتداء من بداية الخمسينيَّات ولغاية بداية السبعينيَّات التي تصفها الأدبيَّات الاقتصاديَّة بِـ “العصـر الذهبي” للاقتصاد الكُلِّي، تسارع اقتصاديُّو التيَّارالجديد إلى تقديم إسهامات نظريَّة متطوَّرة أرست أسس الاقتصاد الكلِّي المعاصر، وقدَّموا مفاهيم شغلت أروقة الجامعات، وحفَّزت المزيد من الحوارات الاقتصاديَّة المثمرة.
أثر نشر النظريَّة العامَّة، بادر عدد من الاقتصاديِّين في بناء نماذج رياضيَّة لتفسيرالعلاقة بين المكوِّنات الأساسيَّة للاقتصاد طبقًا لما قدَّمته النظريَّة. أوَّل تلك النماذج وأكثرها تأثيرًا واستخدامًا، كان نموذج
“IS-LM ” المصاغ من كلٍّ من الأستاذ (جون هيكس- (John Hicks ، أستاذ الاقتصاد في جامعة مانتشستر، والحائز على جائزة نوبل للعلوم الاقتصاديَّة عام 1972، والبروفسور (الڤين هانسن- ” Alvin Hansen”) من جامعة هارفارد، الذي يُعزى له فضل نقل (النظريَّة الكينزيَّة)، ونشرها في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة.
قدَّم هذا النموذج التحليلي الأدواتِ الأساسيَّةَ المطلوبة لوضع سياسات اقتصاديًّة فعَّالة. كما عرَّف شروط التوازن العام القائم على توازن كلٍّ من أسواق السلع والأسواق الماليَّة. يتكوَّن هيكل النموذج من جانبين أساسين: الجانب الأوَّل متمثِّل بعلاقة “IS” التي تحدِّد توازن أسواق السلع القائم على تساوي كميَّة الطلب على السلع مع الكميَّة المعروضة، أو أن يكون حجم الاستثمار مساويًا حجم الادِّخار. أمَّا الجانب الثاني؛ فيصف علاقة ” LM” التي تحدِّد شرط التوازن في الأسواق الماليَّة متمثَّلُ بتساوي الطلب على النقود مع عرض النقد. تعرَّض هذا النموذج مع قوَّته النظريًّة إلى عدَّة انتقادات: أبرزها غياب التوقُّعات، وإهمال دورها، وعدم تقديم آليَّة لعودة الأسعار والأجور إلى حالة التوازن.
الإضافات المهمَّة الأُخرى التي قدَّمها اقتصاديُّو تيَّار “التوليف الكلاسيكي المحدث” القائمة على طروحات النظريَّة العامَّة، شملت صياغة معادلات خاصًّة بتفسير سلوكيَّات الاستهلاك والاستثمار، والطلب على النقود، بالإضافة إلى تطوير نظريَّة متقدِّمة للنموِّ الاقتصادي. من أهم تلك الإضافات؛ نظريَّتان للاستهلاك تمَّ تطويرهما بشكل متزامن ومنفصل. الأُولى؛ صاغها الأستاذ (فرانكومودكلياني- Franco Modigliani ) الحاصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصاديَّة عام 1985، التي اطلق عليها
” Life Cycle Consumption Theory”. تفترض هذه النظريَّة أنَّ الأفراد يخطِّطون استهلاكاتهم وادِّخاراتهم لطيلة فترة حياتهم ، وليس للمرحلة الآنيَّة فقط. أمَّا نظريَّة الاستهلاك الثانية، فقد طوَّرها الأستاذ (ملتون فريدمان- “Milton Friedman ) الحاصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصاديًّة عام 1976 المعروفة ” Permanent Income Consumption Theory”. تفترض هذه النظريَّة أنَّ استهلاك الأفراد يعتمد على معدَّل دخولهم في المدى الطويل. وأنَّ استهلاك الفرد في أيَّة مرحلة لا يعتمد فقط على دخله في تلك المرحلة ، بل على دخله المستقبلي أيضًا. تمَّ تطوير النظريَّتين لاحقًا بدراسة تاثير عدد من المتغيِّرات على قرار الاستهلاك منها؛ الإحالة على التقاعد، وخفض معدَّل الضريبة، و انخفاض قيمة العقارات، وأثر الثروة الفرديَّة على الاستهلاك.
في وقت متزامن مع جهود صياغة نظريَّات الاستهلاك، عمل الأستاذ (جيمس توبن- ” James Tobin ( الحائز جائزة نوبل للعلوم الاقتصاديَّة عام 1981، على تطويرعدد من العلاقات المبنيَّة على (النظريَّة الكينزيَّة)، أهمُّها نظريًّة للاستثمار القائمة على العلاقة بين القيمة الحاليَّة للأرباح “Present Value of Profits ” وبين حجم الاستثمار. كما قدَّم الأستاذ “توبن” نظريَّة لطلب على النقود قائمة على العلاقة بين السيولة والعائد على الاستثماروالمخاطرة. ما قدَّمه الأستاذ الكبير “توبن” يعدُّ إسهامًا مهمًّا في تطويرالأسواق الماليَّة والنظريَّة الماليَّة بشكل كبير.
المرحلة الذهبيَّة للاقتصاد الكلِّي، شهدت أيضًا بداية الاهتمام في بناء نظريَّة (النموُّ الاقتصادي) وقد شجَّع هذا الاهتمام النموَّ السريع في اقتصاديات عدد كبيرمن الدول خلال المرحلة التي أعقبت الحرب العالميَّة الثانية، والارتفاع الكبير في مستوى المعيشة خلال عقدي الخمسينيَّات والستينيّات. أبرز تلك الإسهامات؛ نظريَّتي النموِّ التي قدَّمها البروفسور (روبرت سولو – Robert Solow) الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصاديَّة عام 1987. النظريَّة الأولى للنمو الاقتصادي المعروفة بِـ (نموذج النمو الخارجي- “(Exogenous Growth Model قدَّمها “سولو” عام 1956، وعرض فيها إطارًا شاملًا لتشخيص محدِّدات النمو ومساره، مبيِّنًا علاقة النمو الاقتصادي في زيادة كلٍّ من عوامل الإنتاج؛ ” رأس المال وقوَّة العمل”، والتقدُّم التكنولوجي. كما قدّم الأستاذ “سولو” لاحقًا نظريَّة أطلق عليها “Vintage Capital Growth”. هذه الإِضافات القيَّمة، مهَّدت الدرب لصدور عدد كبير من البحوث والدراسات الخاصَّة بتحديد دور الادخَّار والتطوُّرالتقني، وعوامل أُخرى في نموالاقتصاد. ما يستحقُّ الإشادة والتقدير أنَّ أهمَّ إسهامات الأستاذ “سولو”، تكمن في حصول أربعة من أبرز تلامذته الذين أشرف على أطروحات نيلهم شهادة الدكتوراه على جائزة نوبل للعلوم الاقتصاديَّة لاحقًا.
جميع الإسهامات النظريَّة المهمَّة التي طوَّرها الاقتصاديِّون (الكينزيُّون) المحدثون، المتعلِّقة بطروحات النظريَّة العامَّة تمَّ دمجها وتكاملها في أوَّل نموذج اقتصاد قياسي طوَّره البروفيسور (لورنس كلاين- Lawrence Klein) وعدد من طلبته في جامعة بنسلڤانيا، من بينهم الأستاذ
(رونالد بودكن- Ronald G. Bodkin) الذي كنت أحد طلبته في مادتي الاقتصاد الكلي، وبناء النماذج الاقتصاديَّة، ومن ثمَّ زميلًا في قسم الاقتصاد بجامعة أوتَاوَا. النموذج القياسي الأوَّل تكوَّن من ستَّ عشرة معادلة، بالإضاقة إلى معادلة العلاقة بين الاستهلاك والادِّخار، وركَّز على التوازن في سوق السلع. لكن مع تطوِّر مراكز الحسابات القوميَّة، ومادَّة الاقتصاد القياسي، وتوفُّر أجهزة الحاسوب الإلكترونيَّة
” Mainframes “، تمَّ تطوير أوَّل نموذج لاقتصاد الولايات المتحدة الامريكية عبر التعاون بين جامعتي “Pennsylvania ” و”MIT” تحت إشراف البروفسور فرانكو مودكلياني. في الوقت ذاته، طوَّر البنك المركزي الكندي نموذجًا للاقتصاد الكندي أكثر تقدُّمًا، وأدقَّ تركيزًا على معادلات الاستهلاك والاستثمار والطلب على النقود، عُرِفَ باسم “RDX2”. نجاح هذا النموذج، أسهم في تطوُّرالجوانب النظريًّة والكميَّة التحليَّلة للاقتصاد الكلِّي.
هذه التطوُّرت الكبيرة، فتحت آفاقًا جديدة وواسعة في الاقتصاد الكلِّي، وعزَّزت ثقة الكثيرمن الاقتصاديِّين بقوًّة مستقبل الاقتصاد، وبإدراكهم طبيعة التقلُّبات في الطلب والإنتاج. وكذلك لما ما نالته السياسات الماليَّة والنقديَّة من قوَّة وتأثير، الأمر الذي دفع مجموعة كبيرة من الاقتصاديِّين إلى الاعتقاد بقدرة الاقتصاد الكلي على تجنب حالات الكساد الاقتصادي ومعالجتها مستقبلا.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال