الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
برهنت تجربة الاشهر المنصرمة وبشكل واضح التداخل الكبير، والتأثيرالمتبادل بين القطاعات الاقتصادية والخدمية، كما بينت تأثيرالعوامل المهددة للصحة العامة وسلامة المجتمع على نموالاقتصاد واستقراره. الى جانب ، تأكيدها العلاقة الترابطية بين الأَمنِّ الصحيِّ و الأَمنِّ الاقتصادي للمجتمع.
لمْ تقتصرْ آثارُ تداعياتُ جائحةِ كورونا الُمستجِّدةُ على الصحَّةِ العامَّةِ ، بلِ امتدَّتْ لتشملَ مفاصلَ الهياكلِ الاقتصاديَّةِ والماليَّةِ وأَنشطِتها، بالإضافةِ إلى تداعياتٍ وتحدِّياتٍ اجتماعيَّةٍ آنيَّةٍ ومستقبليَّةٍ. فالجائحةُ، كَشفتِ الشروخَ المُستترةَ في الاقتصاديات الوطنية وفي المنظومةِ الصحيَّةِ لدولٍ ذاتِ مستوياتِ رعايةٍ صحيَّةٍ مُتقدِّمةٍ ، وبينت وهَنُ شبكتِها الصحيَّة، وعدمُ جاهزيَّتِها للتشخيصِ المُبكِّرِ للتهديدِ الوبائي، وعدمُ قدرتِها على الاستجابةِ السريعةِ واحتواءِ انتشارِ الوباءِ.
لماذ أخفقت المنظوماتُ الوطنيَّةُ والدوليَّةُ عنِ استشرافِ وقوعِ الجائحةِ؟
من المهمِّ أن نميِّز بين متغيِّريَنِ: الأوَّلُ، توقُّعُ حدوثِ جائحةِ مُستقبلًا. والثاني: تحديدُ تاريخِ حدوثها. حدوثُ الجائحةِ كان متوقعًّا، فلقد سبقَ أن أكَّدتْ منظَّمةُ الصحَّةُ العالميَّةُ، وعددٌ من الخبراءِ ضرورةَ الاستعدادِ للتعاملِ مع أوبئةٍ قد تجتاحُ العالمَ في المستقبل المنظورِ.رئيسُ الُمنظمَةِ “الدكتور تيدروس أدهانوم غبرييسوس” حذرأثناءِ انعقاد القمَّةِ العالميَّةِ للحكومات المنعقد في دبي عام 2018 “بأنَّ العالمَ غيرُ مهيَّأٍ للتعاملِ مع أوبئةٍ قد تنطلقُ من أيِّ مكانٍ، وفي أيِّ وقتٍ”. توقُّعاتُ حتميَّةِ حدوثِ الوباءِ استندتْ على السجلِّ التاريخيِّ لانتشارِ الأوبئةِ المعديةِ خلالَ العقدين الُمنصرمين ،والتزايدٍ المتسارعٍ في تفشِّي الأوبئةِ. لكن تحديدُ تاريخِ انطلاقِ الوباءِ، وتحديدُ بؤرته ، وسرعةُ انتشارهِ أمرٌ صعبٌ إن لم يكنْ مُستحيلًا.
ان انتشارُ الأوبئةِ الُمعديةِ والجوائحِ لَيْستْ ظاهرةً كارثيَّةً جديدةً. فقد عانتِ البشريَّةُ من كوارثِ الطاعون والكوليرا والسُّلِّ والجدري والملاريا وحمَّى الصفار. والتاريخُ الحديثُ يقدِّمُ سجلًّا مؤلمًا لانتشارِالأوبئةِ والجوائحِ. اللافت ان وتيرةُ الأوبئةِ ارتفعت في العقودِ الخمسةِ المنصرمَةِ، وتوسَّعت رقعةُ انتشارها وتأثيرهِا وحجمِ تداعياتها نتيجةَ عواملَ عديدةٍ؛ من أهمِّها ارتفاعُ معدَّلاتِ الحركةِ والانتقال البشري عبرِ الحدودِ والقارَّات ، الى جانب تلوُّثِ البيئةِ والتغيُّراتِ المناخيَّةِ، وتغييرُ أنماطِ الاستهلاكِ وأساليبِ العَيشِ.
اخفاق الأنظمةُ الصحيَّةُ في رصدِ الجائحةِ يعود الى جملة من الاسباب . فخلالَ العقودِ المنصرمةِ ، لم يتم التركيزِ على بناءِ نظامٍ وقائي ومناعي يرفع من حصانة المجتمع الصحية ويقلل خسائر الأوبئةِ والجوائح. إلى جانبِ ذلكَ، تمَّ ربطُ مفهومِ الأمنِ الصحيِّ، وقيستْ كفاءتُهُ بوجودِ هياكل الرعايةِ الصحيِّةِ الوطنيَّةِ وفعاليَّتِها وجودتِها. فَرَضيَّةٌ مَبنيَّةٌ على وجودِ علاقةٍ طرديَّةٍ بين حجمِ منظومةِ الرعايةِ الصحيَّةِ وجودتها ومتانةِ الأمنِ الصحيِّ دون مراعاة العلاقة بين الأمنِ الصحيِّ ومكونات الأمنِ المجتمعي الاخرى بما فيها الأمنِ الاقتصادي .
تأريخيا ، أوَّلُ مَن أرسى مفهوم العلاقةَ بين الأمنِ المجتمعي والصحَّةِ “مدرسةُ كوبنهاغن” في بدايةِ الثمانينيَّاتِ والتي قدمت مفهومًا موسَّعًا للأمنِ ، شملَ مقوِّماتٍ أُخرى؛ كالأمنِ الاقتصادي والأمنِ البيئي والأمنِ الصحِّي.
في عام 2003 أصدرتِ لَجنةَ “الأمن الإنساني” التابعة للامم المتحدة تقريرا حدَّدتْ فيه مضمونَ الأمنِ الصحَّي وأبعادَهُ. شخَّص التقريرُ أربعَ قضايا أساسيَّةٍ مرتبطةٍ بشكلٍ مباشرٍ بالأمنِ الإنساني؛ أهمُّها ضرورةُ التحرُكِ السريعِ لمواجةِ تهديداتِ الأمن الصحِّي والعواملِ الخارجيَّةَ المؤثِّرةِ في صحَّةِ المجتمعٍ. وخصَّ التقريرُ الأمراضَ الُمعديةَ العالميَّةَ كأَحدِ مصادرِ التهديدِ الأمنيِ الصحي الإنساني.
في عام 2007، أصدرت منظمَّةُ الصحَّةُ العالميَّةُ التقريرَالعالمي للصحَّةِ المعَنْونَ: “مستقبلٌ آمن: أمنُ الصحةَّ العامَّةِ في القرن الواحدِ والعشرين”.”A safer World: Public Health Security in the 21st Century. “.عرض التقريرُ تقيمًا شاملًا للوضعِ الصحِّي العالمي .
في عامِ 2019، نُشِرَتْ لأوَّلِ مرَّةِ نتائجُ “المؤشراالعالمي للأمنِ الصحي”الذي يقيِّمُ قُدُراتِ الأمنِ الصحيِّ في مئةٍ وخمسٍ وتسعينَ دولةً ،الُمعدِّ من مركزِ (جونز هوبكنز) للأمنِ الصحِّي ومبادرةِ التهديدِ النووي “NTI” . يستخدمُ المؤشِّر عددًا من المعاييرِ الأساسيَّةِ والفرعيَّةِ؛ أهمُّها: قدرةُ المنظومةِ الصحيَّةِ الوطنيَّةِ على منعِ نشوءِ الأمراضِ الُمعديةِ وانتشارِ مسبَّباتِها، والاكتشاف الُمبكِّرِ والإبلاغِ عنِ الأوبئةِ ذاتِ التأثير العالمي، ومدى الاستجابةِ السريعةِ والتخفيفِ من حِدِّةِ انتشارِ المرضِ، وكذلكَ قُدرةِ النظامِ الصحِّي على معالجةِ الأمراضِ، وحمايةِ العاملين في القطاعِ الصحي.
تصدَّرتِ الولاياتُ المتَّحدةُ القائمةَ ، تلتها بريطانيا ، فهولندا وأُستراليا وكندا والسويد ، في حين احتلَّتْ فرنسا المرتبة الحادِيةَ عشرَ فألمانيا المرتبةَ الرابعةَ عشرَ، والصين المرتيةَ الواحدةَ والخمسينَ .عربيًّا؛ احتلَتِ المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ المرتبةَ الأُولى، والسابعة والأربعين دوليًّا، تلتها دولةُ الإماراتِ العربيَّةِ المتَّحدةِ التي احتلتِ المرتبةَ الثامنةَ والخمسينَ عالميًا. وفقَ الاستنتاجاتِ العامَّة للمؤشَّر؛ “لا يوجدُ بلدٌ كاملُ الجاهزيَّةِ للحدِّ من تهديداتِ الأوبئةِ. وكلُّ الدولِ لديها فجواتٌ تتطلَّبُ معالجةً”. غير أنَّ البلدانَ التي تمتلك نظمٌ جيِّدةُ الأداءِ، شاملةٌ ومتاحةٌ للجميع، هي أكثرُ قدرةٍ على كشفِ الأوبئةِ في مرحلةٍ مُبكَّرةٍ، وأكثرُ قوَّةٍ على احتمالِ احتوائها.
الأزمةُ الراهنةُ ، دحضتْ فرضيَّةَ العلاقةِ بين سلامةِ الأمن الصحيّ وتطوُّر المؤسَّسات الصحيَّة ِونوعيَّة الرعايةِ الصحيَّة المتاحةِ. جدرانُ الأمنِ الصحي للدولٍ الصناعيَّة المتقدِّمةٍ ، ذي شبكةَ رعايةِ صحيَّةِ كفؤةٍ ومتطوَّرةٍ، شهدتْ شروخًا وتصدُّعاتٍ واسعةً، حيثُ فشلت منظوماتُها الصحيَّةُ في رصدِ الجائحةٍ واحتوائِها السريعِ، ومنعِها من التوغُّل في مجتمعاتِها.
حالةِ شبهِ الانهيارِ التي انتابتِ المنظوماتِ الصحية واخفاقها في رصدِ الجائحةِ ومعالجتِها السريعةِ يمكن ارجاعها الى جملة من الاسباب لعل ابرزها :
أوَّلًا؛ خلالَ العقود المنصرمةِ، انصبَّ تركيزُ غالبية الدولِ على صيانةِ أمنِها الوطنيِّ في مفهومهِ التقليديِّ دونَ مراعاةِ الأبعادِ الأُخرى لأمنِ المجتمعِ، باستثاءِ عددٍ قليلٍ منها، ضمَّتِ الأمنَ الغذائيَّ إلى استراتيجيَّتها الأمنيَّةِ، وخُططًا صحيَّةً عامَّةً للأمنِ الصحي دون اتِّخاذِ خطواتٍ تنفيذيَّةٍ فعَّالةٍ.
ثانيًا ؛ عدمِ وضع استراتيجية فعالة وآلياتٍ للرصدِ والتَّحرِّي، والاستجابةِ الفوريَّةِ الفعَّالةِ للطواريء الخاصَّةِ بالأوبئة والأمراضِ الُمعديةِ ومعالجتها ومواجهتِها.
ثالثًا ؛العزوفُ عنِ الاستثمارِ في نشاط الرعاية الوقائيَّة، ولاسيَّما في الدولِ التي يحتلُّ القطاعُ الخاصُّ حصَّةً كبيرة في سوقِ الخدمات الصحيَّة. لقد فَشِلتِ غالبية الأنظمةُ الصحيَّةُ في إدراكِ حقيقةِ أنَّ الاستثمارَفي الوقايةِ وتقويةِ مناعَة مواطنيها،والاستثمارَ في اعداد منظومةٍ صحية فعَّالةٍ وإنجازِها لرصدِ الأوبئةِ الُمعديةِ؛ يعدُّ استثمارًا مجزيًا وذكيًّا، يُغنيها عن تكبُّدِ خسائرَ بشريَّةٍ واقتصاديَّةٍ مستقبليَّةٍ جسيمةٍ.
رابعًا؛ ؛ عدمُ دراسةِ التأثيراتِ البئيَّةِ ،والتغييراتِ المناخيَّة والاحتباسِ الحراريِّ على الصحَّةِ العامَّةِ وعلى مناعةِ أفرادِ المجتمعِ وانتشارِ الأوبئةِ.
وجودُ مجتمعٍ ، كما يُعلِمُنا التاريخُ، خالٍ مِن الأوبئةِ حُلُمٌ مُستحيلٌ. كما أنَّ المجتمعَ الآمنِ صحيًّا والوقايةُ المطلقةُ للمجتمعِ من مخاطرِ الأوبئةِ المستجِدَّةِ هدفٌ لا يمكن تحقيقُهُ في عالمِ اليومِ. مراعاةُ هذهِ المسلَّمةِ تساعدُ على بناء نظام صحي كفوء والوصول الى قراراتِ توازنٍ بينَ حجمِ المخاطرِوكلف التهيُّؤوالرصدِ والتداخُّلِ العلاجي، لتجنُّبِ هَدرِالمواردِ الماليَّة والبشريَّة في مُقْبِل مواسمِ الأوبئةِ.
تحقيق أمنٍ صِحيٍّ فعَالٍ يحمي الاقتصاد الوطني ، يتطلب تبني إعادةُ بلورةِ مفهومِ منظومةِ الأمنِ الوطني لتشملَ “الأمنَ الصحيَّ الوقائيَّ المستدام”، وتبنِّي ثقافةِ وبرامج وقايةٍ ومناعةٍ شاملةِ، ومعاييرَ فعَّالةٍ للصحةِ الوقائيّةِ والتداخُلِ العلاجي. استراتيجيَّةُ الأمنِ الصحيِّ، يجبُ أن تشملَ ايضا التخطيطَ الُمحتَسبَ للطوارئِ، وتصميمَ برنامجٍ فعَّالٍ وواقعيٍّ لرصدِ التهديداتِ الوبائيَّة المحليَّة والواردةِ ومواجهتها.
الجائحةُ الراهنةُ، تشكِّلُ محطَّةً فارقة لإعادةِ تشكيلِ منظوماتِ الأمنِ الصحيِّ الوطنيِّ والإنسانيِّ على مفاهيمَ جديدةٍ، واعادة صياغة المؤشِّراتِ والمعاييرالتي برهنتِ المرحلةُ عقمِها، والأهمُّ تغييرُاولويات النظمِ الصحية،وإحلالُ استراتيجيَّةٍ الوقايةِ والمناعةِ الفرديَّة بدلًا من الاعتمادِ على التداخُلِ العلاجيِّ والدوائيِّ.
صياغةُ استراتيجيَّةِ أمن صحيٍّ فعَّالةٍ وقادرةٍ على تعزيزِ الأمنِ الوطني وسلامةِ المجتمعِ تقتضي تبنِّي مقترب فعَّال يوازن بين مخاطرالأوبئة المستقبليِّة وكلف رصدها واحتوائها، كما تقتضي تجنُّب الحلول السريعة والمجتزأة التي قد تفضي إلى تحدِّيات مستقبليَّة معقَّدة . الاستراتيجيَّة يجبُ أن تتسمِ أيضًا بالوضوحِ وقابليَّةِ التكيُّفِ مع التهديات الصحيَّة الداخليَّة والخارجيَّة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال