الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
باكالوريس هندسة- مختص بإدارة المشاريع و القيادة
تحدثت في المقال السابق عن مفهوم الأمن الهندسي من خلال ثلاث أسئلة:
*هل يجب الحديث عن نقل الخبرات الهندسية و تأسيس منظمات هندسية في المملكة مع وجود الشركات العالمية بمتناول اليد؟
*لماذا لم تنتقل الخبرات الهندسية مع كل هذه المشاريع طوال الفترة السابقة؟
*كيف نصل لتأسيس منظمات هندسية محلية؟
وبقي لنا الإجابة على السؤالين (لماذا و كيف) و كلاهما لا مفر منه ليكتمل طرح الموضوع.
لماذا لم تنتقل الخبرات الهندسية !! هذا سؤال واسع قد يجرنا لعدد كبيرة من الإجابات وإن كان جوهر المشكلة أقرب ما يكون لثلاثة محاور.
1- نظرة قائد المشروع وصاحب الصلاحية فيه للمنفعة الآنية لإرضاء الإدارات العليا و الملاّك، فكثير من المشاريع تُعتمد لحل مشاكل وقعت وتأزمت ويُطالب بتنفيذها على وجه السرعة. وباستعارة مقياس ستيفن كوفي لإدارة الأولويات تقع هذه المشاريع بقسم (هام وعاجل)، فيميل منفذوها للتركيز على الهدف الجوهري الآني فقط (بناء المشروع بأسرع وقت) لتقليل حدة المواجهة مع الإدارات العليا، مما يعني الاستعانة بشركات خارجية والاعتماد (الكلي) عليها، وهذا يفوت الفرصة لبناء فريق عمل داخلي و توثيق المعارف الضمنية و دعم المنظمات الهندسية الوطنية من خلال إتاحة فرصة حقيقية لها للمشاركة بهذه المشاريع لتتعلم وتنمو مع الوقت.
2- النظرة الآنية لملاّك المنظمات الهندسية، فالربحية السريعة وبأقل جهد كانت هي المسيطرة مما فوّت اقتناص فرص النمو والتي تتسم في كثير من الأحيان بالمخاطرة العالية وانخفاض الأرباح على المدى القصير والتضحية بالعوائد متوسطة وطويلة المدى من أرباح وسيطرة على السوق. وكذلك الاعتماد على التضامن مع شركات هندسية عالمية يُفوّض لها جوهر العمل وتكتفي بدور الوسيط و المنسّق. فلا تُستبقى الخبرات في السوق الوطني كأصل مهم للمستقبل.
3- غياب المساهمة الحكومية في تأسيس كيانات هندسية قائمة على أساس تجاري ربحي تسهم في خلق سوق هندسي وبناء المنافسة فيه، فالحكومة هي من يملك القدرة على تأسيس القطاعات الجديدة بكل جدارة وذلك لقدرتها على التمويل وعدم استعجالها النتائج، ولقدرتها على تقبل المخاطرة مقابل النتائج المرجوة. فلولا الله ثم المساهمة الحكومية لما كان لدينا شركة كسابك والاتصالات السعودية والخطوط الجوية السعودية والشركة السعودية للكهرباء و مؤخراً نيوم و البحر الأحمر و مشروع القديّة.
الغاية من فهم الأسباب التي أدت بنا للوضع الحالي ليس مجرد النقد بل لإجابة السؤال الأهم ” كيف نصل لتأسيس منظمات هندسية محلية؟” و أرى الإجابة بعلاج ما أوصلنا لهذا الواقع.
فعلاج السببين الأول والثاني يستلزم تغييراً ثقافياً في وسط المجتمع الهندسي قد يطول مداه ويستنزف الكثير من الجهد و المال حتى تبدأ طلائع ثماره. و يبقى حضور المساهمة الحكومية بإنشاء منظمات هندسية ربحية أو الاستحواذ على شركات عالمية قائمة هو الحل الفعّال و الأسرع. تصوّر أن الحكومة اكتفت بتشجيع المستثمرين للدخول في قطاع البتروكيماويات فقط دون أن تقوده وتبدأ الاستثمار فيه!! هل كنا سنصل لموقعنا المشرّف في هذا القطاع؟. رأس المال (الخاص) جبان، وينظر للعوائد المادية فقط إن تلبس بلباس الجرائة (رأس المال الجرئ)، ولا يمكن الاعتماد عليه لقيادة قطاع هندسي وطني، بل يلزم دخول رأس المال (الحكيم) و (الجريء) الذي ينظر للعوائد جميعاً ولعل صندوق الاستثمارات العامة الأقرب لتبني مثل هذه المبادرة لصنع مستقبلنا الهندسي.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال