الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
ثمَّة عدد من دراسات وتقارير، بعضها صادر عن صندوق النقد الدولي، ومؤسَّسات ماليَّة واقتصاديَّة دوليَّة، تتوقَّع تبوُّءَ الاقتصاد الصيني موقع “الاقتصاد الأقوى والأكبر” عالميًّا قبل نهاية هذا العقد، أو في منتصف العقد المقبل. أوَّل توقُّعات تطوُّر القدرات الصينيَّة، كانت قد وردت في تقرير (لبريكس/غولدمان ساكس) الذي صدر قبل عشرين عامًا، وتوقَّع تبوُّء الصين موقع الصدارة الاقتصاديَّة دون منافسة لمدَّة طويلة، إلَّا إذا تمكَّنت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة من حلِّ مشكلاتها الاقتصاديَّة الهيكليَّة، وتجاوز تحدِّياتها الاجتماعيَّة.
خلال العقدين المنصرمين، نجحت الصين في تحقيق إنجازات اقتصاديَّة كبيرة جديرة بدراسة شلملة ودقيقة . فقبل عام 1990، لم يكن للاقتصاد الصيني موقع في قائمة الاقتصاديَّات العشر الأكبر والأقوى في العالم. إلَّا أنَّها تمكَنت في عام 2008 من حجز الموقع الاقتصادي القيادي الثالث، وواصلت جهود تطوير قدراتها التنافسيَّة، وزيادة حصَّتها السوقيَّة، لتغدو الشريك التجاري الأكبر للاقتصاديَّات القياديَّة، ومصدَّر السلع والمعدَّات الاستهلاكيَّة والانتاجيَّة الرئيسة لغالبيَّة دول العالم.
هذه التوقُّعات إن صحَّت، ستحدث تحوُّلًا جذريًّا في معادلات العلاقات الدوليَّة وتوزيع القوة والثروة. وستنقل محور القوَّة الاقتصاديَّة والتجاريَّة من الغرب إلى الشرق، ومع تمكُّن الاقتصاد الهندي من المحافظة على إيقاع نموِّه المتسارع الراهن خاصَّة لتعزيز السيطرة الآسيويَّة.
تبوُّء الاقتصاد الصيني الموقع الاقتصادي الأوَّل والأقوى والأكبر عالميًّا إذا ما تحقَّق لن يكون بالجديد على الصين ، بل استردادٌ وعودةٌ إلى موقع سبق لها أن احتلَّته لعقود من الزمن. فقبل مجتمع الحداثة، كان المجتمع الصيني مجتمعًا غنيًّا ومتقدَّمًا صناعيًّا واقتصاديًّا. وكان مستوى معيشة الفرد فيه متقدِّمًا على مستويات المعيشة في أوروبَّا والغرب. كما كانت المدن والمراكز السكَّانية الصينيَّة أكثر تمدُّنًا وتحضُّرًا وتطوُّرًا من المدن ألاوروبيَّة.
في كتابه الموسوم “قبل الثورة الصناعيَّة؛ المجتمع والاقتصاد الأوروبِّي 1700-1000″ الصادر سنة 1980، أورد فيه (كارلو شيپولا – Carlo Cipolla ” أنَّ المجتمع الصيني كان منذ القرن الحادي عشر وحتَّى بداية القرن الثامن عشـر مجتمعًا غنيًّا ومتقدَّمًا صناعيًّا واقتصاديًّا، في حين كانت المجتمعات الأوروبيَّة تعاني من التخلُّف والفقر والتراجع الاقتصادي.
وخلال القرنين السابع عشـر والثامن عشـر كانت الصين صاحبة الاقتصاد الأكبر والأقوى في العالم، وفق ما ذكره الاقتصادي البروفسور (آنغوس ماديسون- Angus Maddison) في كتابه القيِّم “الاقتصاد العالمي في ألف عام” الصادر عام 2001. وقد أشار إلى تطوُّر الصين أيضًا الاقتصادي الإنكليزي (آدم سميث – Adam Smith) في كتابه “ثروة الأمم “، الصادر سنة 1779. وذكر فيه عن تقدُّم الصين ، وكونها دولة غنيَّة ذات إنتاجيَّة عالية واقتصاد متطوِّر.
لكن تقدُّم الاقتصاد والمجتمع الصينيَّين وتفوُّقهما تراجعا إثر انطلاق الثورة الصناعية في المدن الأروبيَّة في منتصف القرن الثامن عشر ، فبدأت مرحلة التفوُّق الأروبِّي الواضح والكبير على الصين. وشهدت الأقاليم الأروبيَّة تغييراتٍ وتطوراتٍ اقتصاديَّةً وتقنية جذريَّة، بعكس الصين التي لم يشهد اقتصادها تطوُّراتٍ مماثلةً.
لماذا فشلت الصين في مواكبة الثورة الصناعيَّة، وتخلَّفت عن مسار التطوُّرالأروبي؟
هذا التساؤل التاريخي المهمُّ، المعروف بـ “لغز، أوسؤال نيدهام”، أثاره البروفيسورالبريطاني (جوزيف نيدهام- Joseph Needham)، الذي بحث مطوَّلًا تاريخ العلوم والتكنلوجيا في الصين، وتوصَّل إلى نتائج مذهلة. وتمكَّن من العثور على وثائق تدلُّ على أنَّ معظم تقنيات الثورة الصناعيَّة ومعدَّاتها كان مصدرها الصين. وأنَّها تدفَّقت من الصين إلى الغرب،نتيجة التبادل التجاري والتقني خلال القرنين الخامس والسادس عشـر . تركًّزت أبحاث نيدهام التاريخيَّة القيِّمة على جانبين:
الأوَّل، الوقوف على أسباب تقدُّم العلوم والتقنية الصينيَّينِ قبل عصر الحداثة.
ثانيُا، تشخيص أسباب تراجع التقنية الصينيَّة في العصر الحديث، وعدم قدرة الصين على الاحتفاظ بالمركز المتقدِّم. أو كيف، ولماذا انتقلت الصين من موقع القوَّة الاقتصاديَّة الى الضعف والتخلُّف؟
حظيت هذه التساؤلات باهتمام المختصِّين بالتاريخ الاقتصادي والمعنيِّين بتاريخ تطوُّرالعلوم والتقنية وخاصة موضوع تراجع الاقتصاد الصيني . فقدَّموا عددًا من الفرضيَّات المبنيَّة على قراءات شخصيَّة، و تفسيرات تحليليَّة متباينة، نوجز أدناه أهمَّ ثلاثة منها:
1- عُزي الإخفاق الصيني إلى دور الثقافة الصينيَّة الكونفوشيوسيَّة، وموقفها المتحفِّظ من العلوم، وغير المحفِّز للاختراع والابتكارالعلمي. إشكاليَّة هذا الطرح، تكمن في أنَّ تأثير العامل الثقافي السلبي لتخلف الاقتصاد الصيني وتراجعه ، قد يكون تفسير مقبولًا لمرحلة ما بعد بعد انطلاق الثورة الصناعيَّة الأروبيَّة. لكنَّه لا يقدِّم تفسيرًا عقلانيًّا ومقبولًا لتطوُّر العلوم، وتقدُّم الاقتصاد الصيني في ظلِّ هيمنة الثقافة الكونفوشيوسيَّة في عقود الازدهار والتفوُّق.
2- أُرجع فشل الصين في مواكبة الثورة الصناعيَّة إلى غياب عناصر المنافسة الاقتصاديَّة والسياسيَّة الاقليميَّة في الصين، مماثلة بالوضع التنافسي الذي شهدته أروبَّا بكياناتها المتعدِّدة الساعية للتطوُّر والازدهار والتميُّز، والراغبة في احتكار الانتاج والأسواق عبر تطويروسائل الإنتاج وإدارته وتقنياته.
3- عُزيت أسباب توقُّف التطوَّر الاقتصادي في الصين إلى انخفاض الطلب على التقنية والمعدَّات. والسبب في ذلك، أنَّ النموَّ السكَّاني المتسارع، والانخفاض التدريجي لنصيب الفرد من الأرض، الزراعيَّةُ منها خاصَّة، أدَّى إلى تناقص العائد الاقتصادي للفرد، وعدم قدرته على اقتناء المعدَّات الحديثة. كما أنَّ انخفاض معدَّل الأجور وكلفة القوَّة العاملة نتيجة النموِّ السكَّاني المرتفع حالا دون استخدام المعدَّات والآلات مرتفعة الكلفة نسبيًّا، مماثلة بقوَّة العمل منخفضة الكلفة. هذا الاختلاف في أسعار عناصر الانتاج، أعاق استخدام التقنيات بشكل واسع في الصين، ممَّا أدَّى إلى تراجع مستوى الانتاج والابتكاروالتطوُّر التقني.
الى جانب العامل الثقافي والعاملين الاقتصاديين اعلاه،هناك اسباب سياسية وعسكرية عديدة اسهمت في تفاقم مرحلة التخلف الاقتصادي في الصين واطالتها ، واهمها ؛ حرب الافيون ،الاحتلالات العسكرية التي تعرضت لها الاقاليم الصينية، الصراع العسكري والسياسي المكلف مع اليابان، الحرب الكورية ،واخيراَحرب فيتنام.
موقع الصين الاقتصادي القيادي الراهن، ناتج عن التطوًّر التقني الهائل في وسائل الانتاج، ووليد إدارة تجربة اقتصاديَّة فريدة، واقتصاد السوق النشط، واستراتيجيَة تصدير فاعلة وانتاجية عمل مرتفعة . والأهمُّ من كلِّ ذلك، التوسُّع الأفقي والعمودي في توفير مقوِّمات اقتصاد الابتكار والمعرفة .
لا ريب أنَّ سرعة التغيير التقني، أو سرعة التقدُّم التقني تُعدُّ من أهمِّ مقوِّمات التطوُّر الصناعي والاقتصادي التي تتيح للاقتصاد الوطني مواصلة النموِّ. هذه المقوِّمات المتوفِّرة والمتجذِّرة في الاقتصاد الصيني إذا ما تواصلت، فستضمن هيمنة استمرار نموِّ الاقتصاد الصيني، كما تضمن تبوُّه مرتبة الاقتصاد الأقوى والأكبر عالميًّا.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال