الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
من اجمل المهام و اقصرها مدة أن تفصل ثوب جديد عند صديقك الخياط فالأمر لا يعدو أن تقوله كلمتين.. “ابيض مثل حق العام” و انتهى الموضوع!
لكن ما لا ينتهي هو جمال التواصل معه، فتعامله مع شخصيات المجتمع تجعله أقرب لأن يكون (مقيّم) حسب مراكز القياس المهنية.
البارحة عندما هاتفت صديقي الخياط و بدأ يمازحني قال لي: “دعني أقول لك شيئًا و حطه قدام عيونك، اسمع مني هذه القصة، كان لي عميل تحدى كل الظروف و بنى نفسه و تجارته من الصفر، كافح حتى أصبح يملك عقارات في عدة مدن في المملكة. كنت اترقب زيارته السنوية يفصل عندي ثوبين و لكن الاتفاق على السعر لا ينتهي الا بطلعة الروح، كان حريص جدًا و يناقشني بالتفاصيل و يقول لي اخصم على الأقل قيمة مشواري لأنه عاش حياة تحدي وبنى نفسه بنفسه واجهد عمره بالعمل.. كنت اضطر أن اخصم له الحد الأقصى حتى تنتهي صفقة الثوبين مع علمي بقدرته المالية العالية احتراما له ولكفاحه ..
توفي رحمه الله و استمرت العائلة تفصل ثيابها عندي. احد ابناءه اذا جائني يفصل ثياب جديدة اتأمل الطلب و أتذكر كفاح الأب لأن الأمر لا يعدو كلمتين، “فصل لي ٢٠ ثوب” و يعطيني البطاقة، لا يسأل عن التكلفة. كل ما حدث هذا الموقف استذكر والده رحمه الله و أقول لو خرج من قبره اليوم و رأى ذلك هل سيستمر في طريقته وعلى ذلك التشدد على نفسه؟
لسان حال الخياط وهو يروي لي القصة الدعوة الى ثلاثة أشياء: أولا أن يمتّع المكافح نفسه بما جنى مع مراعاة التكلفة ودون إسراف، ثانيًا ان يستثمر لآخرته كما استثمر لدنياه فهو أحوج بقيمة العشرين ثوب في قبره من احتياج ابنه لها بأي عمل لصالح وطنه ومجتمعه وأسرته يحتسبه عند الله وثالثًا إن أهل الكفاح احيانًا يشغلهم كفاحهم عن أنفسهم فهم بحاجة لوقفة تأمل ولينظروا بعيدًا.”
كان يتحدث و كنت استمع و اتأمل بروعة ما يقول و بعد نظره وتحليله للموقف، استمر كلامه عالقًا في ذهني على أنها استراتيجية الخياط الجديرة بالاهتمام. ومن يفصل استراتيجية الحياة سيحسن تفصيل الثياب بلا شك!!
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال