الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
كانت البداية الحقيقية لانطلاقة صناعة الاستشارات الإدارية في الولايات المتحدة في الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي مع توسع نشاطات أكبر ثلاث أسماء فيها – “مكنزي”، “بي سي جي”، و “باين” – ثم التحقت أكبر أربع أسماء في المحاسبة – “ديلويت”، “كي بي إم جي”، “بي دبليو سي”، و “ارنست أند ينج” – بالركب لكي تتوسع هذه الصناعة عالميا.
إلا أن هذه المنظومة لم تكن قادرة على تفادي العديد من الانتكاسات أثناء عملها، ولم تحقق أداءً جيدًا في جميع الأسواق، وواجهت قضايا بسبب ارتكابها لمخالفات أضرت بسمعتها وسمعة الصناعة بوجه عام، وكمثال حاضر وحي، نرى منذ أيام ما يحصل مع شركة “مكنزي” والتي تعتبر المحرك الأهم في صناعة الاستشارات الإدارية والمستشار المفضل للعديد من الشركات الكبرى حول العالم.
فبعد الفضيحة المدوية لتوصياتها لشركة “بيرديو فارما” – بغرض رفع الربحية – في زيادة مبيعات مسكن “الأوكسيكونتين” (OxyContin) وهو مسكن عالي التأثير، توفى أكثر من 450 ألف شخص على مدار العقدين الماضيين جراء أخذ هذا العقار، حسب الرقم الذي ذكر في تقرير صحيفة “الواشنطن بوست” في 3 فبراير 2021.
كان انعكاس هذه التوصية الكارثية أن وافقت “مكنزي” على دفع 574 مليون دولار لتسوية تحقيقات ضدها في 47 ولاية أمريكية بالإضافة لمقاطعة كولومبيا، ولم تنتهي القضية هنا، بل تسببت توصية شركة “مكنزي” في تغريم عائلة “ساكلر” مالكة الشركة بمبلغ 225 مليون دولار للحكومة الفيدرالية، إضافة لمبلغ 3 مليار دولار كتعويضات لعوائل الضحايا.
ما حصل ليس سوى مثال لما تعاني منه العديد من الشركات الاستشارية الكبرى التي تواجه الكثير من الدعاوى القضائية ضدها بسبب السقطات الأخلاقية، وهذا ما حرّك – على سبيل المثال – الشركاء في “مكنزي” لإعادة النظر في رؤية ومنهجية الشركة، وبدوا بأول قرار لهم بعدم التجديد لرئيسها الحالي، كما جاء في صحيفة “فوربس” الأمريكية في 2 مارس 2021، وتعيين رئيس جديد من الجيل الجديد كما جاء في صحيفة “الفايننشال تايمز” البريطانية في 11 مارس 2021.
الفكر السابق الذي وضع مبادئ صناعة الاستشارات الإدارية لم يعد مقبولا اليوم عالميا ولا حتى داخل الولايات المتحدة، كما أن متطلبات الشركات التجارية الكبيرة للخدمات الاستشارية تتغير بسبب نوعية احتياجاتهم التي أصبحت أكثر تعقيدا، والتي لم تعد مرتبطة بمتاهات التحليلات والمخططات والمعايير القاسية لترفع من أرباحها مع اهمال الجوانب الأخلاقية، ولكن كيف تبقى هذه الشركات على قيد الحياة أمام تغير قواعد اللعبة التنافسية وشراسة الشركات المنافسة الصغيرة، في تلبية متطلبات واحتياجات المستهلك، وتقديم قيمة حقيقية وملموسة للمجتمع الذي يأتي أولا وبيده أن يُنجِّح شركة أو يسقطها.
لذلك، يظهر بأن عام 2021 نقطة تحول هامة وإيجابية لتبشر بعصر جديد في هذه الصناعة، ولكن هل هذا التغيير – الذي سيحصل لا محالة – سيكون في صالح الشركات المعروفة اليوم والمسيطرة على الصناعة، أم أن ما سيقع سيكون لصالح أسماء جديدة ستحل مكان المتواجد حاليا، والمحسوب على الماضي الجميل؟
هذا ما سنتطرق إليه في مقالة الأسبوع القادم.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال