الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في مقالة الأسبوع الفائت المقال هنا، تعرفنا على ما حصل مع شركة “مكنزي” والذي يمكن أن يكون إيذانا لبدء مرحلة تغييرات جذرية سنراها قريبا نحو تأهيل صناعة استشارات إدارية بفكر جديد ونهج محجم ورشيق في خدمة الشركات التجارية والصناعية التي تحتاج للمشورة لكي تكون أكثر ذكاءً في المستقبل المليء بالتحديات.
والسؤال هنا: هل ما يمكن أن يحصل من تغييرات في هذه الصناعة سيكون في صالح الشركات الاستشارية المعروفة حاليا، أم بداية عصر جديد لهيكليات جديدة تحل مكان المتواجدة والمحسوبة على الماضي الجميل؟
الإشارات المتراكمة تدل على أن صناعة الاستشارات الإدارية تنتقل إلى عصر جديد بانعكاسات إيجابية، قائمة على مفاهيم وأدوات مختلفة كما يتطلبه المستقبل المتسارع، والذي يحتاج إلى كيانات خفيفة الوزن ورشيقة الخطى، كالتي تستخدمها شركات ترليونية مثل “أبل” و “الفابيت”، وإن كان فقط في مسائل فنية بعيدة عن رؤاها أو خطاها الاستراتيجية (ليس بالضرورة أن يكون الحال نفسه في شركات أخرى)، وبصرف النظر إذا ما كانت هذه الكيانات الجديدة غزلان وديعة أو نمور شرسة، إلا أنه وبكل تأكيد ليست فيلة ثقيلة الوزن مهما فعلت في سبيل اكتساب رشاقة جديدة، خاصة من ذوات السمعة المهزوزة نتيجة هفواتها الأخلاقية.
لا شك في أن بعض الشركات الاستشارية الكبرى تدرك هذا الوضع القادم لا محالة، لذلك نجدها قد بدأت في الاستحواذ على شركات ريادية في التكنولوجيا وتحليلات البيانات، وتطعيم مواردها البشرية بالمهارات الريادية، فالمنافسة مفصلية مع شركات الاستشارات الريادية صغيرة الحجم – التي بدأت في الظهور – لأربع أسباب رئيسة:
أولا، الشركات الاستشارية الصغيرة تتحدى عقائد الشركات الاستشارية التقليدية الكبرى من خلال خدمة عملائها بواسطة التكامل فيما بينها لخلق مجموعات مهارات متعددة في ثقافة مزدهرة للجميع لتمكينهم من العمل نحو هدف مشترك، وهذا يختلف تمامًا عما تفعله الشركات الاستشارية الكبرى والتي تحاول قصارى جهدها في خدمة عملائها من داخل صومعتها العتيقة.
ثانيا، الشركات الاستشارية الصغيرة وبسبب رشاقتها فهي قادرة على تلبية الكثير من متطلبات العملاء في تصميم حلول ذكية قابلة للتنفيذ الفوري في ظل محدودية الوقت، خاصة لمن يواجهون تحدي الديمومة بسبب شراسة المنافسة في ظل محدودية الموارد.
ثالثا، الأسواق بدأت تفقد الثقة في الحلول الضخمة ذات الإطارات الزمنية الطويلة بسبب تغير الظروف بحكم الوقت، والتي فوائدها لا تكون ناجعة تماما، بل ربما تكون عكسية كما حصل أثناء الجائحة للعديد من الشركات الكبرى، وهذا سيضع ضغوط على الشركات الاستشارية التقليدية، الغير قادرة على الاستجابة السريعة بشكلها الحالي.
رابعا، الأسواق لم تعد تقبل شركات بقيادات من ذوي السمات المظلمة أو ما يعرف بالعامل المظلم (D-factor)، وأيضا هذه الشركات لن تكون مستعدة للتعاون مع شخصيات بنفس السمات، ممن تعج بهم كثير من الشركات الاستشارية الكبرى، على حساب مصلحة المساهمين والأخلاقيات العامة للمجتمع واقتصاده وتشريعاته.
الشركات الاستشارية الكبيرة ليس بمقدورها فعل شيء لوقف عقارب ساعة التغيير، وإن أرادت الاستمرارية مستقبلا فعليها أن تنقذ نفسها قبل فوات الأوان، ولن تكون عملية الإنقاذ سهلة أو منخفضة التكلفة، وهذا غالبا سيستدعي منها أن تستبدل قياداتها – التي أدمنت على استمراء مفاهيم هرمة – بقيادات شابة وخلوقة و نيِّرة وفذة لتنفيذ المهمة من خلال رؤى جديدة تماما، لأنها لو استمرت في ما هي فيه فراجحا لن تقدر كديناصورات على البقاء.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال