الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يكاد يكون المجتمع الأميركي أكثر وأسرع المجتمعات العالمية تغيرا. وهذا التغير يؤثر بصورة سريعة ومباشرة على السياسة الأميركية الداخلية والخارجية تبعا لتأثيره في الانتخابات. والعاملان المؤثران والمتحكمان في المجتمع الأميركي هما الاقتصاد والإعلام.
فيما يتعلق بالاقتصاد كانت السيطرة عليه ومازالت إلى حد ما لليمين، من خلال السيطرة على قطاعات الزراعة، والنفط والطاقة، والصناعة، والعقار، والمال والمصارف. في حين أن اليسار كان ومازال مسيطرا على قطاع سوق العمل والنقابات العمالية.
أما الإعلام فتكاد تكون السيطرة المطلقة عليه لليسار، مع استثناءات بسيطة لبعض وسائل الاعلام كمجموعة فوكس الامريكية.
كانت تلك التركيبة للقوتين الاقتصادية والإعلامية متوزعتين على طرفي المجتمع، لذلك كان التوازن في السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية واضحا. مع بعض التميز للقوة الاقتصادية في التأثير على السياسة وخصوصا الخارجية، بقوة تأثير الشركات الأمريكية العالمية.
لكن وخلال العشر سنوات الماضية حدث تغير كبير جدا في القوة الاقتصادية، وأخذت تتحول شيئا فشيئا باتجاه اليسار بفعل الثورة التقنية. إذ أصبحت شركات التقنية المملوكة لقوى اليسار مثل أمازون وأبل وقوقل وفيسبوك ويوتيوب وتويتر ونتفلكس وغيرها، قوى اقتصادية عملاقة لا يمكن تجاهلها. على سبيل المثال تُوظف أمازون قُرابة 800 ألف موظف، بقيمة سوقية تقترب من الترليون دولار، وعوائد تتجاوز 280 مليار دولار، وأصول تفوق 225 مليار دولار.
ليس ذلك فحسب، بل إن تلك القوة الاقتصادية الصاعدة اليسارية التوجه، تملك داخلها قوة إعلامية تفوق كل القوى الإعلامية التقليدية، مما أكسب اليسار الأمريكي والعالمي مزيدا من القوة للتأثير في كل العالم اقتصاديا وإعلاميا.
الأثر المباشر لذلك التغير الكبير في الواقع الأمريكي حدث خلال الانتخابات الرئاسية 2020، حيث استطاعت حملة بايدن جمع تبرعات تاريخية فاقت التبرعات التاريخية التي جمعها أوباما. فقد بلغت في شهر واحد فقط أكثر من 383 مليون دولار، بل إن بايدن أول مرشح رئاسي يستطيع جمع أكثر من مليار دولار لحملته الانتخابية.
كما عملت القوى الإعلامية الحديثة والتقليدية على دعم بادين بشكل غير مسبوق، وتدخلت بصورة مباشرة ومنحازة للتأثير على الانتخابات كما فعل كل من فيسبوك وتويتر مع تصريحات ترامب عبر المنصتين للحد من انتشارها وتشويه آثرها.
النتائج المتوقعة لذلك التغير في الواقع الأمريكي سيكون أولا في ملف حقوق الانسان بالمفهوم اليساري. حيث ستكون له الأولوية في العلاقات الخارجية الأمريكية، وهذا يعني مزيدا من الضغوط في هذا الاتجاه. وسيظل ملف حقوق الانسان مصدر قلق وضغط ليس فقط على الحكومات الأجنبية، بل أيضا على الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
الملف الأخر يتمثل في تغير المناخ. ولهذا الملف أثر اقتصادي كبير على الشركات التقليدية خصوصا شركات النفط والطاقة، ويتعداها ليصل حتى للزراعة والمنتجات الحيوانية، التي تؤثر منتجاتها على المناخ.
اقتصاديا من المتوقع أن يؤثرا ملفي حقوق الانسان والتغير المناخي على إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي والقوى الاقتصادية العالمية خلال السنوات القادمة. بواسطة العقود والاتفاقيات، وكذلك الضرائب والغرامات والعقوبات الاقتصادية المختلفة، والتي ستعتمد بشكل مباشر على الملفين السابقين.
ولأن القوة الاقتصادية التقنية تملك قوة إعلامية بتأثير عالمي بصور مختلفة، فإنها سوف تستغل تلك القوة لجعل آثار السياسات اليسارية العالمية أكثر قوة وتأثيرا في العالم. حيث تستطيع تلك القوى على سبيل المثال توجيه سلوك المستهلكين الشرائي، وبالتالي التأثير على مصادر دخل الشركات والحكومات العالمية.
لذلك من المتوقع أن يستمر التغير في السياسة الأمريكية بتسارع خلال العقد القادم باتجاه اليسار، وبالتالي سوف يتغير شكل العلاقة الامريكية مع العالم بناء على ذلك التغير. ليس فقط في فترات حكم الديموقراطيين، بل حتى مع تولى الجمهوريين سدة الحكم ولو سيطروا على البيوت الثلاثة. لأن التغير في المجتمع الأمريكي باتجاه اليسار عميقا جدا ويزداد اتساعا وعمقا، بقيادة الاقتصاد والإعلام. وليس بعيدا أن تصبح السياسة الأمريكية مطابقة للسياسة الألمانية والفرنسية قريبا.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال