الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
هلَّ علينا شهر رمضان الكريم ببركاته وخيراته؛ فرصة لتجديد صلتنا برب العالمين، والهروب بالعبادة من ضجيج الحياة. ولأن عملنا وخدمتنا لبعضنا البعض يُعد عبادة وتقرُب من الله عز وجل، ووسيلة لتعمير الأرض؛ واحتسابك لعملك عند الله خلال هذا الشهر هو جزء من تعزيز الأجر، لذا شعرت في مقال اليوم أنّه من الواجب أن نتحدث عن قضية العمل خلال هذا الشهر الفضيل، ونستكشف معاً كيف يؤثر العمل خلال هذا الشهر على نفسية العاملين، وما الخطوات التي يجب على مدراء العمل اتباعها لتعزيز الإنتاجية وتوفير بيئة عمل فعّالة و مناسبة للموظفين الصائمين.
في البداية؛ أود أن أتحدث عن نقطة في غاية الأهمية، قد يتغافل عنها حتى المدراء والرؤساء، وهي ارتباط صيام شهر رمضان عند أغلب الأشخاص بالخمول والإجهاد والتكاسُل في العمل. فتجد أغلب المنشآت تشتكي من عدم الالتزام بمواعيد العمل، ووجود تباطؤ في أداء الأعمال بحجة الصيام، والتأجيل للاجتماعات واللجان، والنوم أثناء العمل، إلى جانب بالطبع اختلاف المزاجية وزيادة العنف والغضب والصوت العالي؛ وكل هذه الممارسات السلبية تنبع في الأساس من مفاهيم مجتمعية خاطئة، وتؤثر على عملية سير العمل وعلى إنتاجية الأفراد داخل المنشأة خلال شهر رمضان. فقبل أن نطلب من أصحاب الأعمال ومن الأنظمة مراعاة الموظفين خلال هذا الشهر، من الضروري جداً تصحيح هذه المفاهيم والممارسات الخاطئة أولاً، واحتساب أعمالنا اليومية من ضمن العبادة والتقرُب من الله عز وجل؛ ولا يجب أن يكون الصيام حجة لإهمالنا للأعمال أو التعامل بغير احترافية مما يُضيع علينا العديد من الفرص، وقد يُعرضنا لخسارة وظيفتنا في النهاية.
أما بالنسبة للمسؤولين عن العمل داخل المنشآت، فهناك بعض الخطوات الفعّالة التي تضمن لك كمسؤول عن إدارة العمل تهيئة بيئة عمل مُثمرة ومُلائمة لاحتياجات العاملين الصائمين لديك. أولاً؛ من المهم إدراك أن العديد من الموظفين الصائمين لا يستطيعون التركيز بشكل جيد بسبب الممارسات الخاطئة التي يمارسونها خلال شهر رمضان مثل السهر لأوقات متأخرة والنوم لساعات قليلة، إلى جانب بالطبع الممارسات الخاطئة في الطعام والتي تؤثر على النشاط العام للشخص؛ فيجب مُراعاة عدم تكليفهم بالعديد من المهام في آن واحد لأنه سينتج عنه العديد من الأخطاء. ويُمكنك تجنب كل ذلك عن طريق وضع قائمة بالأعمال المطلوبة في بداية اليوم وتقسيمها على فريق العمل بحيث يعمل كل شخص على المهام المطلوبة منه بالترتيب من الأكثر للأقل أولوية بطريقة مُنظمة وغير مُشتتِة.
ثانياً؛ يجب مُراعاة واحترام احتياج الموظفين لممارسة العبادات والشعائر الرمضانية، فيجب تخصيص أوقات معينة للصلاة وقضاء العبادات ويتم هذا الأمر تحت إشراف أحد المسؤولين حتى لا ينشغل الموظفين بالعبادات ويهملون مهامهم اليومية المطلوبة. ويمكن تعويض ساعات العمل التي يقضيها الفرد العامل في العبادات خلال هذا الشهر في أوقات أخرى إذا كان هناك حاجة لذلك؛ حتى يسير العمل بالشكل المطلوب وبدون حرمان الموظفين من حقوقهم في قضاء عباداتهم.
ثالثاً؛ وفقاً لدراسة قام بها موقع “بيت” للتوظيف عام 2015، فحوالي 59% من الأشخاص يميلون لأخذ عطلتهم السنوية خلال شهر رمضان؛ لذلك يجب التصرف مع هذا الأمر بحكمة، فلن يكون منطقياً أن يتغيب عدد كبير من الموظفين في نفس الفترة، فسيؤثر ذلك بشكل كبير على العمل، و للتعامل مع مثل تلك المشكلة الشائعة يجب التأكد من انتهاء الموظفين الذين يطلبون إجازتهم من كافة أعمالهم ومهامهم التي ستكون مطلوبة في فترة غيابهم عن العمل. وفي حين ظهور مهام جديدة بشكل طارئ، يجب تقسيم هذه المهام على باقي الأفراد العاملين بحيث لا يتحمل موظف واحد فقط في النهاية كل هذه الأعمال ويشعُر بالضغط النفسي الذي سيؤثر حتماً على إنتاجيته ومشاعره اتجاه العمل.
رابعاً؛ يهتم الأشخاص في شهر رمضان الكريم بالتجمعات الأُسرية ومع الأصدقاء، فإذا كانت منشأتك تضم عاملين مسلمين وغير مسلمين ودوام العمل مُتغير، فحاول أن تقوم بتثبيت ساعات العمل للمسلمين بحيث يعملون في الفترات التي لا تتضمن مواعيد الإفطار والسحور الرسمية. حتى لا تحرمهم من فرصة التجمع مع أفراد أسرتهم في مثل هذه الأوقات المميزة من العام التي يستغلها الكثيرون لاستعادة الترابط الأسري وصلة الرحم.
أخيراً وليس آخراً؛ يجب أن يكون هدفك كمسؤول عن العمل خلال هذا الشهر الكريم هو التقرُّب أكثر لموظفيك بإقامة إفطار لجميع موظفي الشركة، وبمنح المكافآت والحوافز للموظفين المُجتهدين، وأيضاً بعقد الاجتماعات التي يتم من خلالها مناقشة المشاكل التي تُعيق الموظفين عن أداء عملهم خلال فترة الصيام. كل هذه الأمور تُحفّز الموظفين على الاجتهاد في العمل، فهي توفر لهم بيئة عمل صحية يتم فيها مراعاة احتياجاتهم الشخصية كبشر قبل أن يكونوا جزءاً من ترس المنشأة.
في النهاية؛ أدعو الله لي ولكم بأن يتقبل منَا صالح الأعمال وأن يُوفقنا جميعاً لما فيه الخير والصلاح.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال