الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
منذ عدة أيام قابلت أحد الشباب الواعدين مؤسس إحدى المنشآت الناشئة، وقد عمل على فكرة مشروعه لسنوات عديدة بهدف خلق حل لبعض المشكلات التي تواجه المجتمع، وبالفعل استطاع أن يُطلق هذا الشاب مشروعه في عام 2020 بالرغم من كل الصعوبات التي واجهتها بيئة العمل في ذلك العام. لكن بالرغم من اهتمامه بتوفير عناصر المنشأة الناجحة، إلا أنه قد لاحظ منذ وقت قريب وجود خلل يُعيق عملية نمو المنشأة. فبالرغم من وجود فريق لإدارة الموارد البشرية إلا أن أغلب العاملون بالمنشأة لا تتوافر فيهم المهارات اللازمة التي تحتاجها المنشأة لتخطو خطوات أسرع في طريق التقدم والنمو. هذا الأمر جعله يشعر بالإحباط خاصة أنه لا يعلم سبب وجود هذا الخلل من الأساس. ظللت أتحدث معه قرابة النصف ساعة حتى استطعت أن أستكشف السبب وراء وجود مثل هذا الخلل في ظل وجود إدارة مختصة باختيار الأفراد الملائمين للعمل بالمنشأة. فالمنشأة تمتلك فريق لإدارة الموارد البشرية وفريق آخر لإدارة المالية، ولكنهما لا يعملان معاً؛ بمعنى أن كل فريق منهم يرى عمله مُنفصلاً عن الآخر، وهذا ما يعتقده العديد من الأشخاص. لكن في حقيقة الأمر أن إدارة الموارد البشرية وإدارة المالية هما كوجهين لعملة واحدة، يبدوان ظاهرياً مختلفان، لكن جوهرياً فكل منهما يُكمّل الآخر.
هذا الموقف ذكرني بأحد أصحاب الأعمال الذي استشارني عام 2017 لمساعدته على تطوير منشأته، فبعد دراسة الوضع في المنشأة لاحظت حينها أن إدارة الموارد المالية لا تُدير الأمور المالية للموظفين بالشكل المطلوب، ويضعون حد متدني للرواتب، مما يضطر إدارة الموارد البشرية لاختيار الموظفين بما يتناسب مع هذه الرواتب المُحددة. والنتيجة هي اختيار أصحاب مهارات قليلة أو لا تتناسب مع الأهداف المستقبلية للمنشأة، مما يؤثر على الإنتاجية ويصعب من عملية سير العمل.
قمت حينها بنصيحة صاحب المنشأة بعقد اجتماع أسبوعي لفرق الإدارتين من أجل مناقشة الأفكار، ومحاولة حل المشكلات التي تواجهها كل إدارة منهما. وبالفعل خلال فترة قصيرة من الاجتماعات والمناقشات استطاعت الإدارتين التوصُل لخطة عمل تكامُلية، يُحدد فيها فريق الموارد البشرية ما تحتاجه المنشأة من عدد موظفين ومهارات مطلوبة، ويُحدد أيضاً من خلالها فريق المالية المصاريف التي تتعلق بالطاقة البشرية بما يتناسب مع احتياجات المنشأة التي حددتها إدارة الموارد البشرية، وبشكل لا يُسبب أي عجز مالي للمنشأة مُستقبلاً. وكانت النتيجة هي اختيار أفضل للموظفين، وإدارة المصاريف بشكل متوازن أكثر، وزيادة ملحوظة في الإنتاجية العامة للمنشأة، وتحقيق المنشأة لعدد من الأهداف التي كان العمل عليها يسير ببطئ أو كان متوقفاً لفترة من الزمن بسبب وجود فجوة في العمل بين إدارتي الموارد البشرية والمالية.
مثل هذا التحدي يتكرر كثيراً في المنشآت، وفي الكثير من الأحيان لا يتمكن أصحاب الأعمال والمنشآت من تحديد السبب وراء هذه المشكلة بشكل دقيق؛ وهو ما دفعني لتوضيح هذه النقطة الهامة التي تؤثر بشكل كبير جداً على مستقبل المنشآت. فيجب أن يعلم أصحاب الأعمال ومدراء إدارة الموارد البشرية والإدارة المالية مدى أهمية التعاون ومشاركة الأفكار والحلول المُقترحة؛ فعمل كل إدارة بمفردها يجعل رؤيتها للصورة الأكبر ضيقة الأفق وغير واضحة بشكل كافي. فإدارة الموارد البشرية هي قلب المنشأة الذي يهتم بقيمة العنصر البشري، بينما إدارة المالية هي عقل المنشأة الذي يهتم بتكاليف هذا العنصر البشري؛ مما قد يُبرز ظاهرياً وجود تناقض بين طريقة عمل الإدارتين، ولكن إذا دققنا قليلاً سنستطيع رؤية مدى أهمية وجود مثل هذا التناقض للمنشأة. فمثلما تحدثنا في مقال سابق عن “استراتيجية اليين واليانغ” وكيف أن تحقيق التوازن بين إدارة الأمور الداخلية والخارجية للمنشأة كمتضادين يعمل على رسم لوحة مُتكاملة لخطة عمل المنشأة؛ وبالمثل تنطبق هذه الاستراتيجية أيضاً على توازن العمل بين إدارتي الموارد البشرية والمالية.
أخيراً؛ أود القول إنه من الضروري إدراك أن توفير الطاقة البشرية المطلوبة لتحقيق أهداف المنشأة يجب أن يُقابلها وفر مالي يُلبي بنود الصرف الخاصة بهذه الطاقات البشرية، كالمرتبات، والحوافز المادية، والأدوات والأجهزة اللازمة لإتمام الأعمال المطلوبة. وتحديد التكاليف المناسبة لخطة ودخل المنشأة يُجنب المنشأة من الوقوع في العديد من الأخطاء منها: توظيف أعداد زائدة عن حاجة العمل في ظل شُح الموارد المالية مما يسبب عجز في المرتبات ويؤدي لتوقف العمل واحتجاج الموظفين، وأيضاً يُجنب المنشأة خطر العجز المالي في الأوقات العصيبة الذي قد يؤدي بالمنشأة للإفلاس في نهاية الأمر.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال