الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
عاش السعوديون سهرة رمضانية ممتعة مع لقاء سمو ولي العهد، لا لشموليتها فحسب ولكن لما أحاط بها من وضوح وشفافية ومباشرة و واقعية. كنت قد عقدت العزم على الكتابة إلا إنني ككاتب وبعد انتهاء اللقاء وجدت نفسي في مأزق مما أختار وما أترك وأجزم أن الكتاب والمحللين والمراقبين وجدوا أنفسهم في نفس المأزق، فهو حوار شامل للجوانب الاقتصادية والسياسية والإجتماعية والتشريعية وكل جانب فيه مادة غنية للبحث والأطروحات لا يحيط بها مقال. تجلى سمو ولي العهد في حديث لم يختاره ويعده بدبلوماسية أعتاد عليها الناس في حديث القادة، بل وضع نفسه أمام هواجس مواطنين ومستمثرين وساسة وشركاء وملفات محلية وإقليمية ودولية تصدى لها بشفافية تقرأ الواقع بلغة المنطق والأرقام و تضع المصابيح على جنبات الطريق التي رسمها في لقائه السابق عندما أعلن محاور رؤية المملكة.
في هذا اللقاء خرج ولي العهد عن نمطية البيانات الإعلامية التي تعد مسبقا بعموميات تغلف باللغة الدبلوماسية ويصعب على المتلقي العادي فك طلاسمها. إلا أن هذا اللقاء كان عبارة عن نقطة مراجعة وتقييم للمرحلة السابقة حضرت فيه الأرقام والأمثلة المقارنة. قدم ولي العهد نتائج المرحلة السابقة من عمر الرؤية وما تم تحقيقه والوقوف بناء على مراحل ومحطات ومعالم جديدة انتقلنا لها خلال رحلة الخمس سنوات المنصرمة.
على الجانب الاقتصادي تحدث سمو ولي العهد عن الإستمرار في تنوع الاقتصاد لضمان مواجهة التحديات المستقبلية بمداخيل متنوعة مستدامة، وأكد العمل على تشجيع الصناعات التحولية للإستفادة من النفط الخام . إنتقل بناء للنقلة الكبيرة في قنوات الإنفاق من خلال الإنفاق الرأس مالي بمشاركة أذرع إستثمارية ذات عوائد اقتصادية سواء من خلال صندوق الإستثمارات العامة أو الشراكة مع القطاع الخاص، وهذا يشكل ضمان إستمرار الإنفاق لتحريك العجلة الاقتصادية ودعم القطاع الخاص وفي نفس الوقت رفع العبء عن كاهل الميزانية العامة. ولم يخل الحديث عن مستقبل إستثمارات صندوق الإستثمارات العامة التي أوضح سموه ان خطط الصندوق تكمن في إستمرار الصندوق في الإستحواذ إكتمال تحقيق مستهدفاته ليتحول لمرحلة الإنفاق، وكذلك خطط الصندوق لطرح أصوله للإكتتاب العام.
في الحديث عن الخدمات أكد سمو ولي العهد إلتزام الدولة بنظامها الأساسي لتقيدم الخدمات الطبية والتعليمية المجانية للمواطن مع طرح حلول أكثر كفاءة من خلال ترشيد الإنفاق ورفع جودة الخدمات وسهولة الوصول لها، رفع جودة التعليم من خلال الإنتقال من منهجية التلقين للتعليم المهني الذي ينمي المهارات ويتسق مع متطلبات سوق العمل. لم يكن الحديث عن خفض معدلات البطال كاف بل أمتد لتحسين جودة العمل الوظيفي ورفع المداخيل من خلال الاعمال النموذجية التي ترفع من دخل الموظف ، وهي على كل حال درجة لاتكون عادة إلا في الدول المتقدمة و ولي العهد يضع المملكة ضمن الدول المتقدمة التي توفر قطاع عمل جاذب يستهوي العقول المبدعة.
الضرائب هي الهاجس الأكبر لعموم المواطنين وكانت رؤية ولي العهد من الوضوح بمكان كونها فرضت إبتداء ضمن إطار تشريعي إقليمي لأهداف اقتصادية، ثم رفعت بشكل إستثنائي مؤقت وستعود لمعدلها الطبيعي وفق خطة زمنية محددة بسقف الخمس سنوات قد تقل. قدم تطمينات القيادة بأن ضريبة الدخل لن تفرض، هذه التطمينات تجيب على هواجس المستثمرين وتضع الضمانات الكافية لسياسة المملكة المستقبلية في ملف الضرائب.
موضوع الهوية وما أثير حولها يعتبر من القضايا الشائكة التي تلاشت طلاسمها في حديث ولي العهد هذه الليلة، بدءا من تمسك الدولة بالقرآن والسنة دستورا للبلاد، مع تمسك المملكة بهويتها الإسلامية العربية السعودية، بل إنها مصدر فخر والدولة تعمل على ترسيخها وتقديمها للعالم كهوية مستقلة لا تعيقنا من الإندماج في الثقافات الأخرى والتعايش معها.
وأخيرا الجانب السياسي، ورغم أنه حظي بالوقت الأقل ضمن اللقاء إلا إنه حمل أهم الرسائل للمحيط الخارجي، فالمملكة تتعايش مع الجميع وتنطلق من مصالحها ولديها القدرة والإستقلالية لتشكيل تحالفاتها وشراكاتها وفق مصالحها السيادية. المملكة في حديث ولي العهد تعمل ضمن القانون الدولي وإحترام سيادات الدول والعمل المشترك والعمل على تحييد الخلافات. نلتقط من حديث ولي العهد إنفتاح المملكة على إمكانية تقاطع المصالح مع إيران وفق منطق حسن الجوار، والعمل على وقف الحرب باليمن مع دعمه اقتصاديا متى جنحت مليشيات الحوثي للسلم والإنخراط في المجتمع اليميني تحت مظلة الدولة وسيادة القانون.
ولي العهد في هذا اللقاء يجدد ويطور الخطاب السياسي من خلال الحوار المباشر الشفاف مع الشعب. كل ما أثير من هواجس وقضايا خلال الفترة الماضية طرحت هذا المساء وقدمت لها الإيضاحات الكافية. لقاء مفتوح يقدم سياسة المملكة للسنوات القادمة و ويوجه رسائل المملكة لكل الأطراف الإقليمية والدولية. قيادة تنهمك في تنمية وطنها وتطوير مجتمعها وتعمل مع شركائها وفق قانون دولي يكفل السلام والتعايش المشترك وفق منطق المصالح والإحترام المتبادل.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال