الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
عندما يحتاج الشخص للحصول على حق له، فإنَّه يتجه نحو المحكمة مُعتَقِدَاً أنَّ الأمر سهلاً، وأنه بمجرد مطالبته بحقه، فإن القاضي سيستجيب وستعود الأمور إلى نصابها.
لكن الصدمة الأولى التي تصيب صاحب الحق في المحكمة هي حاجته للإثبات؛ فعلى المدعي إقامة البينة على وجود حقه حتى تستطيع المحكمة الاستجابة له.
والمشكلة التي تواجه الكثير من أصحاب الحقوق أنهم يتعاملون على مبدأ الثقة، الأمر الذي يجعلهم يتغاضون عن كتابة اتفاقاتهم أو تسجيلها بشكل واضح، رغم أنَّ عنصر الثقة غير مُعتَبَر في التعاملات المدنية.
لكن بعد أن ينشأ أي خلاف بين المتعاقدين، تبدأ دوامة الإثبات، فقد يدعي كل واحد أنَّ الاتفاق كان في مصلحته، ويكون على القاضي الرجوع إلى نص الاتفاق الأصلي حتى يحكم لصاحب الحق.
وهنا، إذا كان الاتفاق غير مكتوب، فلن يثبت أي شيء أمام المحكمة، ولن يكون بإمكانها أن تحكم لمصلحة المدعي.
وفي هذا الموضوع، صدر مؤخراً مشروع نظام الإثبات حتى ينظم تفاصيل هذه الوقائع، وكيف يمكن للمحكمة أن تتصرف.
جاءت القاعدة الأساسية كالتالي:
“على المدعي أن يُثبِتَ حقَّه، وللمدعى عليه نَفيُهُ” (م3-1 مشروع إثبات).
بالتالي، فإنَّ المدعى عليه يكتسب حقَّاً بمجرد كونه مدعياً عليه، وهو حق سلبي لا يحتاج منه أي تصرف، ألا وهو افتراض أنه صاحب حق حتى يقوم المدعي بإثبات العكس.
هذا ما يطلق عليه في دول القانون المدني: “القرينة” “Presumption”؛ وهي تعني الافتراض القانوني، وهي على نوعين:
*إمَّا أن تكون قابلة إثبات العكس من المدعي،
*أو أن تكون غير قابلة لإثبات عكسها أبداً، وفي هذه الحالة تكون المسؤولية لاصقة في الشخص. مثل حالة افتراض الخطأ في حارس الأشياء الخطرة.
هذه القرينة تعني -وفق مشروع نظام الإثبات- أنَّ على المدعي عليه عبء إقامة البينة، وإلاَّ يكون فاشلاً في دعواه، فيخسر الدعوى وتنصب عليه آثار دعواه السلبية وإمكانية إلزام المدعي بتعويض المدعى عليه، كل هذا ليس لأنَّ المدعي كان مفترياً بالضرورة، بل لأنه لم يستطعْ إثبات عكس الواقع.
هذا يعني أنَّ الواقع هو افتراض الحق في مصلحة المدعى عليه حتى يثبت العكس، وحتى بعد إثبات الحق على المدعى عليه، وكسر القرينة إن صح التعبير، فيكون للمدعى عليه حلف اليمين لإنكار الدعوى على أساس أنَّ: “البينة على مَن ادعى، واليمين على من أنكر” (م4-1 مشروع إثبات).
وفي مجال القرائن، تظهر حالتين عمليتين في غاية الأهمية على مصير الحق، وهما:
علم القاضي؛ فلنفترض أن القاضي يعرف من خلال مشاهدته الشخصية أنَّ المدعي على حق، فهل يحق له أن يحكم للمدعي؟ أجاب مشروع نظام الإثبات بالنفي، فلا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي (م3-3 مشروع إثبات)، وهذا يعني أنَّ القاضي لا يمكنه كسر القرينة من تلقاء ذاته حتى وإن كان متأكِّداً من صدق المدعي ومن أنَّه صاحب حق، والسبب يرجع إلى أنَّ القاضي هو طرف موضوعي في القضية ولا يجوز أن يصبح شاهداً فيها. إلاَّ أنَّه إذا تغير القاضي في القضية، فيمكن للقاضي السابق أن يصبح شاهداً فيها.
تعارض الأدلة؛ وهي حالة كثيراً ما تحدث في الواقع العملي، حيث نجد إفادات الشهود متعارضة نظراً لحدوث نسيان أو خلط وعدم استيعاب لمجريات الوقائع المسرودة من هؤلاء الشهود، ففي هذه الحالة، منح مشروع نظام الإثبات للمحكم صلاحية التقدير بين قرارَيْن (م/5 مشروع إثبات):
* إمَّا ترجيح بعض البينات على حساب الأخرى وفق ظروف الدعوى، فيرى القاضي أن الظروف تميل على أنَّ أحد الشهود مثلاً هو الأصدق والأدق في وصف الوقائع من باقي الشهود.
* أو أن ترفض المحكمة كامل الأدلة المتناقضة، وهكذا تعتبر المحكمة أنَّ كل الأدلة أمامها باطلة، وتعود بالتالي إلى القرينة الأساسية وهي افتراض الحق في جانب المدعى عليه.
بناءً على ما سبق، فإنَّ القرينة هي الافتراض الأساس الذي على صاحب الحق أن يضعه في حسبانه لدى إقامة أي اتفاقات مع الناس أو لدى رغبته بتحصيل حقه عبر القضاء، ولهذا فإنَّ الاتفاق المكتوب والواضح يكسر القرينة بسهولة، كما إنَّه من الأفضل أن يكون الاتفاق موثقاً لدى محامي أو موثق مرخص.
كل هذا لأن الحق لا يناله إلاَّ الشخص الحريص، أمَّا الإنسان المتراخِي والمتهاوِن، فإنَّ حقه قد يضيع لأنَّ القرائن القانونية تكون له بالمرصاد!
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال