الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
إذا قارنا بين تضاريس الخريطة الحضرية للمملكة العربية السعودية في عام 1970م وحالها اليوم، سنجد أن ما حصل في نصف قرن من تنمية وتطور كان مذهلا، فالمرحلة الزمنية التي أخذتها المملكة منذ تأسيسها أقصر بكثير من أن تكون كافية لما وصلنا له من تطور حضري – بفضل الله – وعلى مستوى رقعة المملكة مترامية الأطراف.
أتت رؤية المملكة 2030 لتقفز بالوطن في العديد من المواضيع عدة سنوات ضوئية نحو المستقبل، ومن ضمنها الملف الحضري الذي حَظِيَ باهتمام خاص، وعليه كانت عملية دمج البلديات مع الإسكان في وزارة واحدة كخطوة رائعة في الاتجاه الصحيح.
قامت الوزارة الجديدة المُعادة هيكلتها “وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان” بإنجازات نقف احتراما لها، فمعضلة الإسكان على سبيل المثال لم تعد قائمة بعد أن تحرك هذا الملف الصعب بخطى ثابتة، ظهرت جليا في الارتفاع القياسي في نسبة تملك المواطنين للمنازل وفي أقل من خمس سنوات منذ انطلاقة الرؤية، كما أن الوزارة تقوم الآن بإنجاز العديد من التشريعات المساندة له، إضافة إلى العديد من المبادرات الحديثة والمتعلقة بالشؤون البلدية والقروية.
ولكن يظل السؤال الأهم وهو أين وصلت الوزارة في تحضير ملف تأهيل المدن القائمة إلى ذكية؟
المستقبل يحتاج إلى أن تكون المدن القائمة أكثر ذكاءً وأكثر استجابة لاحتياجات المواطن والمقيم والزائر، وفي حين أن الحلول التي تُقدم تركِّز عادةً على التحسينات الرقمية للبنية التحتية الحضرية الحالية، إلا أن ما جاءت به الرؤية يقول بأن المدن السعودية القائمة (الجديدة موضوع آخر ومنتهى منه مثل ذا لاين ونيوم) بحاجة إلى ما هو أبعد من ذلك ومن خلال استخدام تقنيات جذرية متقدمة لاستكشاف طرق يمكن من خلالها تحسين نوعي لعمليات التخطيط والتصميم وإدارة المدن المعاصرة بغرض زيادة تطور أداءها ومرونتها.
هنا نتحدث عن الاستفادة من الخدمات النوعية في تحليل البيانات و المحاكاة الواقعية والتصميم الحضري التنبئي لتحقيق مجتمعات حضرية أكثر ريادية، وهذا يدعو الوزارة للبدء في تبني جاد لأدوات الثورة الصناعية الرابعة مثل الذكاء الاصطناعي (AI) وإنترنت الأشياء (IoT) وتقنية سلاسل كتل قواعد البيانات الهيكلية (Blockchain) في سياق التصميم الحضري، ومن خلال دراسة واقعية للقضايا المتعلقة بشبكات توزيع المياه والكهرباء، واستراتيجيات التعامل مع النفايات، وأنظمة التنقل والنقل المستقلة وأدوات طاقتها من تقليدية ومتجددة، في ظل اعتبار ما سيكون مستقبلا من كثافة وتنوع وقرب في المجتمعات الحضرية.
كما أن مثل هذا المسار المتقدم سيعطينا فرصة استكشاف احتمالات توجهات القوى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي سيكون لها تأثير مباشر وغير مباشر على البيئة وكيفية التعامل معها أو الاستجابة لها، وهنا تكمن قيمة هذه الأدوات وما ينتج عنها من مخرجات تحليلية لمعاينة والتعاطي مع التحديات المحلية والمحيطة السريعة والمتجددة، نحو تقديم نوعية حياة أفضل في المدن السعودية.
العمل في هذا المضمار ليس سهل، ويحتاج إلى منظومة علمية لوضع بنية هذا التوجه التحتية في البداية، فالتركيز على إيجاد طرق لخلق مدن ذكية لتعزيز مستقبل أكثر حيوية واستدامة هي مسألة لها أهلها من المتخصصين في تصميم حلول المدن الذكية والاستثمار فيها وتقديمها، وأيضا المهندسين والمصممين والمعماريين والمخططين الحضريين والاقتصاديين ومتخصصي مجالات علوم الاجتماع الرياديين الذين لهم شغف في تكنولوجيا المعلومات و البيانات، كما أن هذا المشروع سيعمل على التحضير المسبق لأجيال قيادية مسؤولة عن المدن وتحسين نوعية الحياة فيها.
أمام وزاراتنا وجامعاتنا – وبمشاركة فاعلة للقطاع الخاص – عمل ممتع وإن كان مضني بعض الشيء في البداية في دعم الجهة التي من المفترض أن تقود حراك هذا المشروع، وهي وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، صاحبة الفرصة الأوفر في لعب دور فاعل وملموس في التخطيط النوعي المستجيب لتطلعات رؤية المملكة في ملف التحضير لتحويل المدن القائمة إلى ذكية، والتي ستخدم محاور الرؤية الثلاث: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، ووطن طموح.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال