الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
شهد الإستثمار الأجنبي المباشر أهمية كبيرة خلال عقد الثمانينات حيث ساهمت عدداً من العوامل في زيادة حجم التدفقات المالية العالمية من الاستثمارات المباشرة مع تبني الكثير من الدول النامية لبرامج الإصلاح الاقتصادي وخاصة فيما يتعلق بالخصخصة و تحرير التجارة وحركة رؤوس الأموال العالمية. كما ساهم بشكل رئيسي التطور في تكنولوجيا المعلومات والإتصالات في تسهيل حركة رؤوس الأموال إلى جانب خفض تكلفتها ما بين الدول. ويشكل الإستثمار الأجنبي تمويلاً حقيقياً وليس مثل القروض أو السندات التي تستخدم لسد العجز المالي سواءً للمؤسسات أو للحكومات و يتم سدادها في أوقات لاحقة، وإنما هو يعطي المستثمر الأجنبي حق التملك وإدارة المشروع الإستثماري. وبالتالي فهو يؤدي دوراً مهماً في إنشاء مشاريع جديدة أو توسعة مشاريع إنتاج محلية قائمة إلى جانب تشجيع وتطوير الصناعات في الدول المضيفة ورفع مستوى كفاءة العمالة المحلية. وعليه فقد شكّلت هذه الإسهامات على الجوانب الإقتصادية في زيادة إجمالي رأس المال الثابت المحلي ومن ثم زيادة نمو الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تحسين الموازين التجارية و موازين المدفوعات للدول المضيفة للإستثمار الأجنبي.
ونظرا لأهمية هذه الظاهرة، عملت العديد من الدول النامية خلال العقود الماضية على تحسين مناخها الاستثماري بهدف جذب هذه الاستثمارات. وقد تمكنت هذه الدول من الاستفادة من إمكانات الشركات الأجنبية التي ليس لها القدرة التمويلية فقط بل تمتلك كذلك القدرات الإنتاجية والتسويقية والتكنولوجية الحديثة في رفع معدلات نموها الاقتصادي. وفي حين ساهمت هذه الإستثمارات في تعويض النقص في المدخرات المحلية من ناحية، فهي في الجانب الآخر ساهمت في توفير فرص العمل للمواطنين، و خاصة في تنمية قدرات رأس المال البشري. غير أن الدول لن تستطيع تحقيق ذلك إلا من خلال توفير المناخ الاستثماري الملائم. ولذا فإن بيئة الأعمال الجاذبة تلعب دوراً مهماً في قرارات المستثمرين، وفي حركة رأس المال بصفة عامة، وتتداخل بين محدداتها العديد من الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية والقانونية والإدارية. وقد أثبتت الدراسات أن المستثمر الأجنبي يفضل الدول التي تتمتع ببيئة استثمارية ملائمة، من حيث تميزها بالاستقرار السياسي والاقتصادي والقانوني والأمني، حيث تمثل هذه العوامل أهم المحددات الجاذبة للإستثمارات المباشرة والمحافظة عليها.
وقد سعت المملكة العربية السعودية كغيرها من دول العالم إلى جذب المزيد من تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر، خصوصاً بعد أن كشفت المشكلات المالية الناتجة عن الانخفاض الحاد لأسعار البترول منذ سنة 1986 والتي امتدت حتى نهاية التسعينات مع ما صاحبها من توترات جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط عن ضعف البنية الإقتصادية في تحقيق النمو الاقتصادي المناسب. وهذا ما دفع المملكة العربية السعودية إلى إصدار نظام الإستثمار الأجنبي المحدث في عام 2000 لمواكبة المتغيرات الإقتصادية الإقليمية والدولية، والذي جاء في أهم أحكامه بأن منشآت الإستثمار الأجنبي تتمتع بنفس المزايا والحوافز والضمانات التي تتمتع بها المنشآت الوطنية. و بهدف تحفيز وتشجيع الإستثمار الأجنبي تم إنشاء الهيئة العامة للاستثمار في عام 2004، إلى جانب اتخاذ الحكومة العديد من الإصلاحات الهيكلية والمؤسسية والتنظيمية من أجل توسيع مشاركة رأس المال الخاص المحلي والأجنبي للمشاركة في عملية التنمية الاقتصادية وتلبية توفير السلع والخدمات للأسواق المحلية مع زيادة الصادرات غير النفطية. وقد تعزز دور الدولة في الخمسة عشر عاماً الماضية من خلال تركيزها على مفهوم المواءمة المؤسسية للإستثمار الأجنبي المباشر، وهو ما يعني رفع القدرة على اجتذاب و إستيعاب والمحافظة على الإستثمار الأجنبي وفي ذات الوقت إعتماد درجة من المرونة تسمح لها باتخاذ الخطوات التي تجنبها المخاطر وتمكنها من إستغلال الفرص المتاحة.
وفي حين كانت مستويات الإستثمار الأجنبي متدنية جداً و بشكل متذبذب في الفترة ما بين 1986 و حتى عام 2004، شهدت تحسناً جيداً في عام 2005 إذ بلغت 45 مليار ريال. و على إثر الإصلاحات الإقتصادية والإجراءات التنظيمية التي اتخذتها الحكومة في تحسين بيئة الاستثمار شهدت الاستثمارات الأجنبية إتجاهاً تصاعدياً في الفترة ما بين 2005 و 2008، حيث سجلت هذه الإستثمارات أعلى قيمة لها في عام 2008 لتبلغ 147.9 مليار ريال. إلا أن الأزمة المالية العالمية في نهاية عام 2008 عكست هذا الإتجاه التصاعدي، حيث انخفضت الاستثمارات الأجنبية بنسبة 7.6% في عام 2009 لتبلغ 136.7 مليار ريال، لتحقق بعدها هبوطاً حاداً بنسبة 44.2% في عام 2011 لتبلغ قيمة الإستثمارات الأجنبية 61.2 مليار ريال. ثم استمر هذا الهبوط بوتيرة سريعة لتنخفض الاستثمارات الأجنبية بنسبة عالية عند نحو -81% في عام 2017، و تسجل أدنى قيمة لها بمقدار 5.3 مليار ريال فقط، الرسم البياني (1).
لقد جاء هذا التراجع في الإستثمارات الأجنبية المباشرة في كثير من دول العالم على خلفية تداعيات الأزمة المالية العالمية التي ابتدأت في الربع الثالث من عام 2008 وأثرت بطريقة غير مباشرة على اقتصاد المملكة مع التراجع الحاد الذي شهدته أسعار النفط. كما فاقم حالة الإنخفاض في الاستثمارات الأجنبية بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط ومنها المملكة ثورات الربيع العربي التي بدأت في 2011 وما عقبها من حروب أهلية ما زالت مستمرة في بعض الدول العربية حتى الآن إلى جانب ما أفرزته هذه الحروب من توترات جيوسياسية دولية وإقليمية لازالت انعكاساتها السلبية على الوضع الأمني قائمة. بيد أنه في أعقاب الإعلان عن رؤية 2030 في 2016 وكذلك برامج تحقيق الرؤية مع ما صاحبها من مساعي حثيثة نحو تطوير البيئة القانونية والمؤسسية سواء في تحديث الأنظمة أو في إصدار أنظمة جديدة مثل نظام التجارة الإلكترونية ونظام الإفلاس ونظام التحكيم التجاري وغيرها، كلها مجتمعة ساهمت في تحسن بيئة الاستثمار وعودة الاستثمارات الأجنبية لترتفع بنسبة 199% في عام 2018 لتبلغ 15.9 مليار ريال، ثم ارتفعت بنسبة 7.4% إلى 17.1 مليار ريال في عام 2019، و من بعدها إلى 20.6 ريال في عام 2020. و قد ارتفع إجمالي الإستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة إلى نحو 906.9 مليار ريال بنهاية عام 2020، الرسم البياني (2).
إن مستويات النمو في الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال الأعوام الماضية بلا شك تبقى دون طموح رؤية 2030، حيث لا تعكس هذه التدفقات الاستثمارية ما كان متوقعاً من اقتصاد بحجم المملكة كعضو في مجموعة العشرين و كأكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، رغم التحسن الذي شهدته بيئة الاستثمار في المملكة. وفي حين بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية رغم تحسنها عن السنة السابقة في عام 2020 بنحو 20.5 مليار ريال (5.48 مليار دولار)، فإن هذه القيمة أقل من المستهدف في برنامج التحول الوطني بأن تصل إلى 70 مليار في عام 2020. كما أن نسبة هذه الإستثمارات الأجنبية إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت 0.78% فقط، وهي الأخرى أقل بكثير من المستهدف بأن تصل نسبتها إلى 5.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2020. جاءت هذه المستويات المنخفضة في المملكة في الوقت الذي استطاعت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة أن تقفز باستثماراتها الأجنبية المباشرة إلى 17.87 مليار دولار في عام 2019 ومن ثم إلى 19.88 مليار دولار في عام 2020. كما تصدرت سنغافورة دول العالم في قيمة استثماراتها الأجنبية التي بلغت 114.1 مليار دولار في عام 2019، ثم تراجعت إلى 90.56 مليار دولار في عام 2020. ومن المدهش أن إجمالي الإستثمارات الأجنبية في سنغافورة قد بلغ 1.85 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 7.7 أضعاف الإستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة.
إنه من أبرز دوافع جذب الإستثمارات الأجنبية المباشرة لدى الدول هي مساهمتها في بناء وتطوير القدرات الإنتاجية لاقتصادات الدول، والتي يمكن قياسها على أساس نسبة مساهمة الاستثمارات الأجنبية في إجمالي تكوين رأس المال الثابت، حيث أنه من المنطقي أن تختلف الأهمية النسبية لمستويات تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة من دولة لأخرى باختلاف حجم الإقتصاد وبالخصوص في حصتها من إجمالي تكوين رأس المال الثابت. وعلى هذا الأساس، فإن هذه النسبة في المملكة العربية السعودية قد انخفضت من مستوى 22.6% من إجمالي الاستثمارات الثابتة في عام 2010 إلى 3.7% في عام 2016 قبل أن تنخفض إلى أدنى مستوى لها عندما بلغت نحو 0.71% في عام 2017. وقد شهدت هذه النسبة تحسناً قليلاً إذ ارتفعت إلى 2.2% في عام 2018، و من ثم إرتفعت إلى 2.9% في 2020. غير أن هذه النسب المحققة خلال الفترة القريبة الماضية تبقى بعيدة عن المتوسط للدول النامية الذي بلغ 6.6%، الرسم البياني (3).
إن ازدياد تدفق رؤوس الأموال الأجنبية على شكل استثمار مباشر في منتج سلعي أو خدمي يزيد من حجم الموارد المالية لتعويض نقص المدخرات المحلية و تغطية فجوة الإستثمار، الذي يساهم في زيادة إجمالي تكوين رأس المال الثابت، وبالتالي في زيادة القاعدة الإنتاجية والقدرة التجارية و التنافسية لاقتصاد الدولة. وإذا ما تم قياس تأثير إجمالي تكوين الإستثمار الثابت، الذي يشكل الاستثمار الأجنبي المباشر جزء منه، على معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في حال المملكة فإنه يتضح في العلاقة الترابطية القوية بينهما، كما هو في الرسم البياني (4). علماً أن هذا القياس يقتصر على المدى القصير وذلك فقط من خلال تأثير الإنفاق الإستثماري المباشر في ذات السنة ولكن تأثيره في المدى المتوسط والبعيد سوف يكون أعلى من ذلك، والذي سوف يأتي من خلال إستغلال و إستمرار تعظيم الفائدة من المشروع الإنتاجي طوال فترة عمر المشروع الإفتراضية.
تكمن أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر في حال المملكة من خلال تأثيره على معدل نمو إجمالي الناتج المحلي غير النفطي. وتبدو هذه الأهمية في توفير التمويل المستقر و الحصول على التكنولوجيا المتقدمة وخلق الفرص الوظيفية والمساهمة في معالجة مشكلة البطالة مع رفع مهارات العاملين وفتح أسواق جديدة للتصدير، إلى جانب تحقيق إيرادات لخزينة الدولة من خلال الضرائب على الأرباح. ويتضح من الرسم البياني (5) بوجود هذه العلاقة مابين معدل نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة و نمو إجمالي الناتج المحلي غير النفطي بالأسعار الجارية، وتبرز هذه العلاقة بوضوح في الفترة من عام 2010 وحتى 2014 التي شهدت فيها الإستثمارات الأجنبية تراجعاً في مستويات نموها السنوي و ما صاحبها في التوجه من تباطؤ معدل نمو الناتج المحلي غير النفطي خلال نفس الفترة. و جاء هذا الترابط بشكل أوضح في التباطؤ الحاد في نمو الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 1.5% مع الانخفاض السنوي في الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة -81% في عام 2017، وكذلك الحال مع عودة نمو الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 6.6% في عام 2018 مواكباً ارتفاع نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة عالية بلغت 199% عن السنة السابقة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال