الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
“لا تحتكم أبداً. فالتحكيم يسمح لطرف ثالث بتحديد مصيرك، إنه ملجأ للضعفاء”! (مقولة منسوبة لأتيلا الهوني Attila the Hun أحد قادة إمبراطورية الهون 395 -453م). في حقيقة الأمر، هناك من يؤمن بهذه المقولة فيقوم بعد التعاقد في سبيل الخلاص من التحكيم باللجوء للقضاء خشية عواقب محسوبة عنده. ولقد انتهى المقال الأول (هنا) عند الحيلة الثالثة المتعلقة بدعوى مخالفة الشريعة الإسلامية، وفيما يلي تكملة لبعض أساليب الأطراف في التنصل من التحكيم.
الحيلة الرابعة: الالتجاء للمحكمة مع وجود اتفاق تحكيمي.
في هذا السياق، يقوم الطرف غير الراغب بالتحكيم بالالتجاء مباشرة إلى المحكمة وعرض النزاع عليها إبتداءً مع إلمامه بوجود شرط التحكيم. وللأسف، هناك عدد من القضايا التي نُظرت أمام القضاء وفُصل فيها مع وجود اتفاق التحكيم، ويرجع سبب ذلك إلى عدم معرفة الطرف المدعى عليه بالطرق الصحيحة للرد. والإجابة على هذه الحيلة ببساطة هو في تجاهلها ومواصلة التحكيم وذلك إعمالاً للمادة الحادية عشر من نظام التحكيم السعودي بأنه “١-يجب على المحكمة التي يرفع إليها نزاع يوجد في شأنه اتفاق تحكيم أن تحكم بعدم جواز نظر الدعوى إذا دفع المدعى عليه بذلك قبل أي طلب أو دفاع في الدعوى. ٢- لا يحول رفع الدعوى المشار إليها في الفقرة السابقة دون البدء في إجراءات التحكيم، أو الاستمرار فيها، أو إصدار حكم التحكيم”. ولقد نُص على هذا المبدأ كذلك في المادة الثامنة من قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري. ومن المهم الانتباه إلى أنه في حال استدعاء المحكمة للطرف المدعى عليه، فيجب أن يكون أول الدفع بوجود شرط التحكيم وذلك قبل تقديم أي إجابة موضوعية بشأن الدعوى. (وللاستزادة، ينظر قضية رقم ٢٢٧٢ لعام ١٤٣٩ الصادرة من المحكمة التجارية بالدمام).
الحيلة الخامسة: الطعن في تشكيل هيئة المُحكمين أو إجراءات التحكيم.
قد ترد بعض الشكوك بشأن وجود مصالح بين المُحكم المعين من أحد أطراف الدعوى، حينها سيسعى الطرف الآخر لإثارة تلك المشكلة عبر توجيه التهم للخلاص من التحكيم. وهذا السبيل لا يقف عند هذا الحد بل يمكن أن يتعداه كالإدعاء بأن الهيئة خالفت ما اتفق عليه الأطراف من إجراءات أو أنها لم تكن محايدة. والرد على هذه الحيلة أنه لو افُترض أن هناك شكوك حيال حياد أحد المحكمين أو الاشتباه بعدم اتباع الهيئة لاتفاق الأطراف، حينها فإن للمؤسسات التحكيمية (في التحكيم المؤسسي) صلاحية تبديل المحكمين. لذا فإنه دائمًا ما ينصح في القضايا الكبيرة أن تكون تحت مظلة تحكيم مؤسسي كالمركز السعودي للتحكيم التجاري. فمثلاً المادتين ١٤ و ١٥ من قواعد المركز، نصت على الإجراءات المتبعة حيال رد، عزل، استبدال، أو استقالة أحد أعضاء هيئة التحكيم وأن أساس تعيين المحكمين من قبل الأطراف أو المركز دون الحاجة إلى تدخل المحكمة. ومما يمكن إضافته في الرد على هذه الحيلة أنه وفقاً للمادة السابعة من نظام التحكيم السعودي، فإنه يسقط حق المدعي للاعتراض على حكم التحكيم “إذا استمر أحد طرفي التحكيم في إجراءات التحكيم ـ مع علمه بوقوع مخالفة لحكم من أحكام هذا النظام مما يجوز الاتفاق على مخالفته أو لشرط في اتفاق التحكيم ـ ولم يقدم اعتراضاً على هذه المخالفة في الميعاد المتفق عليه، أو خلال ثلاثين يوماً من علمه بوقوع المخالفة عند عدم الاتفاق”. (وللاستزادة، ينظر قضية رقم ١٦٩٠/١/ق لعام ١٤١٧ الصادر من ديوان المظالم).
الحيلة السادسة: الإدعاء بعدم توقيع اتفاق التحكيم (الطرف الثالث).
وهذه من إحدى الحيل التي يطلق عليها “تخلي الأم عن البنت”. كأن تدعي الشركة الرئيسية أو الجهة الحكومية التي لها أساس الإشراف على الشركة الفرعية أنها لم تكن طرفاً في الاتفاقية وأنه لا يمكن أن تحال إلى التحكيم أو أن الحكم لا يصح تنفيذه. وفي الحقيقة فإن هذه من أشد الحيل شراسة وأكثرها تشعباً، إلا أنه يمكن الرد عليها بعدة أساليب ومن أهمها إثبات الارتباط أو وجود المصلحة. فهناك مجموعة من النظريات بشأن الأطراف غير الموقعة على اتفاق التحكيم، وتأتي في مقدمتها نظرية مجموعة الشركات Group of Companies))، وتعنى إمتداد اتفاق التحكيم إلى طرف ثالث غير موقع على شرط التحكيم. ومن أشهر الأقضية التحكيمية التي تم فيها إعمال هذه النظرية، قضية مجموعة شركات دلة مع مؤسسة ترست Trust المملوكة للحكومة الباكستانية. حيث قررت محكمة استئناف باريس أن الحكومة الباكستانية، وإن لم تكن طرفاً في اتفاق التحكيم، إلا أنها شاركت بالتفاوض ابتداءً على العقد المتضمن شرط التحكيم بل وقامت بالإشراف على الأعمال وأن سلوكها أوحى بأنها طرفاً في العقد. لذا رفضت طلب الطعن بحكم التحكيم بسبب وجود الارتباط. (وللاستزادة، ينظر قضية رقم UKSC 2009/0165). ومع ذلك فإن هذه النظرية متفاوتٌ في قبولها دولياً بسبب اختلاف وجهات النظر القانونية والفرضيات حيالها والتي لا يسع هذا المقال لبيانها وخصوصاً في الحديث عن مبدأ نسبية العقد وأن العقد شريعة المتعاقدين. ولكن المهم في الجواب على هذه الحيلة بإثبات بوجود رابط حقيقي أو مصلحة ناشئة مع الطرف الثالث غير الموقع على اتفاق التحكيم.
ختاماً، ليُعلم أن هناك العديد من الممارسات التي يمكن أن يتخذها بعض المتداعين للانفكاك من التحكيم كالاعتراف ابتداءً باتفاق التحكيم ولكن عدم مصادقته من صاحب الصلاحية، أو دعوى العقود الممتدة، أو إضافة شرط التحكيم في العقود الحكومية وموافقة البرلمان أو المجلس وغيرها. لكن أهمّ المهمّ في الرد على الحيل باعتقادي هو بمعرفة القانون المطبق على التحكيم وإجراءاته لكي يُستند عليه في الدفوع لاحقاً.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال