الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
كلنا نعرف أنه (لكل أجل كتاب) ولكل بداية نهاية،
ولكننا وللاسف لا ندرك ذلك بالشكل الكافي لإحداث التغيير إلا في اللحظات الاخيرة، عندما لا يكون هناك وقت كافي للتفكير في اتخاذ التغييرات الصحيحة المدروسة، لأن أي تغيير إيجابي يحتاج الى وقت كافي لعبور مراحل الدراسة والتحليل وتجاوز العقبات ثم إصدار القرار، لكن في مثالنا اليوم لا وقت إلا للمرحلة الاخيرة وهي إصدار القرار ، فقد سمع مؤسس الشركة العائلية نداء الموت عن طريق خطر صحي كبير أخبره به الطبيب، ولا يوجد أحد بيده إصدار قرارات الشركة إلا المؤسس فإن لم يصدرها ستوجد مشاكل في الإدارة وفي توزيع الصلاحيات وأيضاً ستكون القسمة بعد رحيله حسب الانصبة المقررة شرعا وهذه القسمة قد تكون عقبة أمام رغباته أو رغبات بعض الأبناء للوصول لأهدافهم، فيرى أنه لابد من التحرك بأسرع وقت لإصدار القرارات التي يظنها صحيحة للحفاظ على الشركة وضمان استمراريتها.
إن هذا المثال هو أحد الأمثلة الأكثر وقوعاً في الشركات العائلية حول العالم وفي المجتمع الإقليمي بشكل أكبر لعمق الطابع الشخصي لدى أفراد المجتمع وعدم الرغبة في التغيير أو التعديل إلا في اللحظات الاخيرة، وعند التعمق في فكر المؤسس ودوافعه من قرارات التغيير المفاجئة نجدها تتلخص في رغبته باستمرار الشركة بعد رحيله وبقاء اسمه وسمعته في سوق العمل وايضًا خوفه من تبذير الابناء للثروة التي صنعها أو أن توكل إدارة الشركة بعد رحيله لاشخاص غرباء خارج أبنائه أو خوفا من تدخل أزواج البنات في الشركة أو إنسحاب البنات من الشركة بشكل يعرقلها.
فإن كانت هذه أسباب المؤسس ودوافعه في اتخاذ هذه القرارات المفاجئة بعد مرضه، فما هي القرارات التي من الممكن أن يتخذها على عجل ليسابق الموت بتنفيذها، أولا: قيامه باختيار إحدى شركاته الكبرى وجعلها تستحوذ على جميع شركاته وأملاكه من عقارات وغيرها وبذلك تكون أملاكه كلها ملك للشركة القابضة بحيث يسهل اتخاذ القرارات السريعة وانعكاسها على جميع أملاكه، ثانيا: إعطاء أبنائه الذكور نسبة في الشركة القابضة التي استحوذت على كل أملاكه و بذلك لا يكون استحقاقهم فقط من نصيبهم في الإرث، ثالثا: تغيير عقد التأسيس كاملاً ليكون التخارج صعب جداً واذا تم فيكون لمصلحة الشركة (أي لمصلحة الذكور لانهم هم الوحيدون الذين سيبقون في الشركة وهم من سيحملون اسمه) وذلك حسب اعتقاد المؤسس، رابعا: تغيير آلية التصويت على القرارات بحيث يكون أي قرار للشركاء منوط بمصالح الذكور، خامساً: تغيير مدة عقد الشركة في عقد التأسيس بحيث تزاد مدة الشركة وتلبس ثوب الإلزام.
إن القارئ لمثل هذه النماذج من الشركات العائلية التي تصدر قراراتها المصيرية في اللحظة الاخيرة قبل وفاة المؤسس يجد أمور مترابطة بينها ومنها:
1- الرغبة في التحايل على أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية.
2- سيطرة الذكور أو أحدهم المعنوية على المؤسس لذلك تجد أن قرارات اللحظة الاخيرة تصب في مصالحهم،
٣- التسرع العجيب في اتخاذ القرارات ثم تعديلها ثم الغائها ثم إرجاعها وهذا التخبط ناتج عن مسابقة الموت! أ يصلون لمبتغاهم أولاً أم يصل الموت قبلهم؟ .
4- استغلال رغبة المؤسس المعنوية لبقاء الشركة أطول مدة ممكنة (بلا أي مسؤولية أو تحفظ على الوسيلة).
و للإنصاف يجب أن نذكر أنه كثيرا ما تكون نية المؤسس (الاب) سليمة تجاه العائلة والشركة ولكن إدراك المصلحة تخف مع المرض وتزداد العواطف وتسيطر على المنطق
ولا أجد وصفاً أدق لهذه القرارات التي تصدر في مرض المؤسس الا ما قاله الشاعر :
يقضى على المرء في أيام محنتهِ
حتى يرى حسناً ما ليس بالحسنِ
* سأتحدث عن النتائج الكارثية لقرارات اللحظة الأخير في الجزء الثاني من المقالة بإذن الله تعالى.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال