الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
كان الحديث في آخر مقال عن القسم الأول من الشروط في العقد وهي الشروط الصحيحة، سواءٌ ما كان منها موافقًا لمقتضى العقد أو مقصوده أو مصلحته. وكان الحديث أيضًا عن القسم الثاني من الشروط في العقد وهي الشروط الفاسدة، سواءٌ كانت تُفسد العقد أو لا تُفسده. وفي هذا المقال، سيكون الحديث عن القسم الثالث من الشروط في العقد، وهي الشروط التي يُطلق عليها (الشروط المنافية لمقتضى العقد أو مقصوده). ومُقتضى العقد لدى الفقهاء هو أنه إذا باع الإنسان سلعته لآخر، انتقلتْ ملكيَّة هذه السِّلعة من ذمَّة البائع إلى ذمة المشتري بموجب عقد البيع، ووجَبَ على المُشتري تَسليم الثمن للبائع، ووجب على البائع تسليم السلعة للمشتري، وغير ذلك مما تَقتضيه العقود.
فأما الشروط المنافية لمقصود العقد، فلا شك أنها باطلة؛ كأن يشترط البائع عند بيع بيته ألا يسكنه المشتري، أو يشترط البائع عند بيع سيارته ألا يركبها المشتري، أو يشترط البائع على المشتري ألا يملك المشتري العين المبيعة، فكل هذه الشروط منافية لمقصود العقد والغرض منه؛ لما فيها من إلغاء لمقصود البيع، ونفي لموجبه من السكن أو الركوب أو التملك.
وأما الشروط المنافية لمقتضى العقد، فهي شروطٌ تُقيّد العقد، وزائدةٌ عن أصله ومقتضياته. ولكونها منافية لمقتضى العقد فقد حكم القضاء على كثيرٍ منها بالفساد.
ومن أمثلة هذه الشروط: لو باع شخص سلعةً، واشترط البائع على المشتري أنه إن رغب في بيع السلعة، فللبائع الأولوية على غيره في الشراء؛ فقد صدر حكم قضائي بفساد مثل هذه الشرط؛ لمخالفته مقتضى العقد إذ إنه شرط يقيّد حرية المشتري في التصرف في المبيع، وهذا مناف لمقتضى العقد، فلمالك السلعة أن يبيعها أو لا يبيعها.
ومن الأمثلة على هذا النوع: اشتراط المستأجر على المؤجر أنه إذا باع العقار، فعليه إشعار المستأجر برغبته في البيع، وأن للمستأجر الحق في شراء العقار وله الأولوية على غيره؛ فقد صدر حكم قضائي أيضًا بفساد مثل هذه الشرط؛ لمنافاته لمقتضى العقد، لأنه شرطَ ألا يبيع العقار لغيره إذا أعطاه المستأجرُ ثمنه، فهو كما لو شرط ألا يبيعه إلا من فلان أو لا يبيعه أصلًا.
ومن الأمثلة على هذا النوع أيضًا: اتفاق الشركاء في الشركة على منع بيع أسهمهم أو حصصهم في الشركة لمدة معينة، كعشر سنوات مثلا؛ رغبة منهم في استقرار الشركة ونمائها؛ فقد صدر حكم قضائي بفساد مثل هذا الشرط؛ لأن عقد الشركة عقد جائز، ولأي من طرفيه الانسحاب بإرادته المنفردة، مما لا وجه لطلب إلزام الشركاء بالمضي بالعقد وعدم البيع لمدة ١٠ سنوات مثلًا.
وتأتي أهمية مثل هذه الشروط أنها وأمثالها موجودة في كثير من العقود، الدولية خاصة، ففيها: يُعدُّ مبدأ حرية التعاقد شائعًا في النظام القانوني الانجلوسكسوني أو ما يُعرف بالقانون العام “Common Law System”، فيتمتعُ أطرافُ العقد في القانون العام في تلك الدول بحرية واسعة في التعاقد، فالشروط والأحكام والقواعد الآمرة التي يتضمنها القانون الحاكم لتنظيم العلاقة التعاقدية هي أقلّ بكثير من النظام القانوني اللاتيني أو ما يُعرف بالقانون المدني “Civil Law System”. لذلك، فمن المهم ذكر جميع الشروط التي تحكم العلاقة بين طرفي العقد في العقد نفسه في دول القانون العام، وينتجُ عن ذلك غالبًا أن يكون العقد أطول بكثير من العقود في دول القانون المدني. وهذا بدوره يقودنا إلى أهمية إيجاد الحلول الشرعية والمسالك الفقهية لمحاولة تصحيح تلك الشروط وإعمالها؛ نظرًا لدخول كثير من الشركات الدولية في علاقات تعاقدية مع قطاعات حكومية وخاصة.
فالقول بإعمال تلك الشروط التقييدية في كافة العقود قول متّجه؛ لأن المنع في المعاملات المالية خلاف الأصل، وإعمال الشروط أولى من إهمالها، ولأن الأصل في الشروط الإباحة والحل واللزوم، لا الحظر والتحريم؛ ولأن المصلحة الحاجية تقتضي جواز تلك الشروط العقدية؛ إذ لولا حاجة الناس لها لما اشترطوها، فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه، ولم يَثبت تحريمها بنص. وفي تلك الشروط نفعٌ لأحد العاقدَين أو لغيرهما، وقد يسقط شيء من الثمن مقابل اشتراطها، فما المانع من إعمالها؟ ومما يسند إجازة مثل هذه الشروط هو أن تلك الشروط لا تندرج تحت العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة، وهي: الربا، والغرر، والظلم.
وكثير من محققي الفقهاء قد صححوا مثل هذه الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، كابن تيمية وابن القيم، ومن المعاصرين: ابن عثيمين. فذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى أن هناك فرقًا بين مقتضى العقد وبين مقصود العقد، فلا بأس من الشروط المخالفة لمقتضى العقد لا مقصوده. فالشروط المخالفة لمقصود العقد هي كل شرطٍ يعود على أصل العقد بالإبطال، كاشتراط البائع عدم تملك المشتري للسلعة؛ لتعارضه مع مقصود العقد الأصلي، وهو انتقال المثمن للمشتري، والثمن للبائع. وأما الشروط المخالفة لمقتضى العقد، فقد أوضح ابن تيمية في ردّه على من أبطلها، بقوله: (فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقًا؟ فإن أراد الأول: فكلُّ شرطٍ زائدٍ كذلك، وإن أراد الثاني: لم يسلّم له، وإنما المحذور: أن ينافي مقصود العقد، كاشتراط الفسخ في العقد … هذا القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي”. ونُقل عنه أيضًا، أن من باع شيئًا، وشرط عليه إن باعه فهو أحقُّ به بالثمن جواز البيع والشرط. وذكر الفقهاء أيضًا أنه إذا شرط على المشتري فعلًا أو تركًا في المبيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه؛ كأن يبيعه بشرط أن يُعلِّمه، أو لا يخرجه من ذلك البلد، أو لا يستعمله في العمل الفلاني، صح البيع والشرط، مع أن العقد فيه تقييدٌ لحرية المالك (المشتري)، فدلّ ذلك على أن ثمة فرقًا بين مقتضى العقد ومقصوده.
وقد ذكر ابن القيم أن (للشروط عند الشارع شأنًا ليس عند كثير من الفقهاء، فإنهم يلغون شروطاً لم يلغها الشارع، ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضى فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود، وما لا يقبله، فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل).
وقد أشار ابن عثيمين إلى تفصيلٍ في الشروط في العقد، فأجاز الشروط التي لها غرض مقصود، كاشتراط البائع على المشتري عدم البيع لمصلحة تتعلق بالعاقد أو بالمعقود عليه، حتى وإن كان يخالف مقتضى العقد، كما لو علم البائع أن المشتري محتاجٌ إلى بيت ولكنه لا يحسن التصرف فقد يبيع البيت ويضيع ثمنه، فاشترطَ عليه ألا يبيعه البيت إلا بشرط أن لا يبيعه المشتري، فهذا شرط فيه مصلحة للعاقد. ومثال الشرط من مصلحة المعقود عليه: لو باع البائع على المشتري بعيرًا، فاشترط عليه أن لا يبيع البعير لفلانٍ من الناس؛ لمعرفته أنه لا يرحم البهائم، فالشرط هنا لمصلحة تعود إلى المعقود عليه. وغاية ما في هذه الشروط: أنه يُمنع المشتري من بعض التصرف الذي جعله الشارع له، والمشتري يُسقطه باختياره، فكان الأمر إليه.
وفي الختام، فإنه قد يكون متوجّهًا إصدار نظام يعتني بالتقنين الموضوعي للمعاملات التجارية الفقهية التي ليس فيها نصٌ نظامي حاكم، فإن ذلك أدعى إلى استقرار الأحكام القضائية، وإعمال الشروط العقدية؛ سعيًا للتسوية بين الخصوم في تنفيذ عقودهم وشروطهم. ولنا في نظام المحاكم التجارية (١٤٤١هـ) نموذجٌ؛ فقد أسس مبادئ في منح الحرية والصلاحية الواسعة للتجار في تقييد تعاملاتهم التجارية أو عند نزاعهم، خاصة في الأمور الإجرائية. فالمادة السادسة من النظام أجازت للأطراف في التعامل التجاري الاتفاق على إجراءات محددة للترافع وما يتصل به، فإذا اتفق الأطراف على قواعد محددة في الإثبات؛ فَتُعمِل المحكمة اتفاقَهم، وكذلك أجاز النظام الاتفاق على نقل عبء الإثبات، وأجاز الاتفاق على أن يكون حكم الدائرة الابتدائية في النزاع نهائيًّا.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال