الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
إن من أهم الأسس القانونية والمبادئ القضائية هو أن “العقد شريعة المتعاقدين”، “فالاتفاقات المعقودة تحلّ محلّ القوانين للذين عقدوها”، ونظرًا لحاجة الناس إلى شروط عقدية لتحقيق مصالحهم، أصبح الالتزامُ الناشئ من العقد يماثل في قوته الالتزام الصادر من النظام؛ استنادًا إلى الأوامر الشرعية بوجوب الوفاء بالعقود والعهود. وبناءً على ذلك، فإن الأصل أن يلتزم العاقدان ببنود العقد؛ حيث إن الشرط الجائز بمنزلة العقد، وعلى القضاء تنفيذ وإعمال تلك البنود العقدية.
وبالرغم من ذلك، فإن ما سبق لا يعني بالضرورة إطلاق العنان لسلطان إرادة المتعاقدين للاتفاق على ما يرغبونه، بلا قيد أو شرط، فالاتفاق جارٍ بين الفقهاء على عدم إعمال تلك القاعدة على الإطلاق؛ إذ ليس للمتعاقدين حرية مطلقة فيما يشترطانه، بل لابد من انضباط شروطهم بأحكام الشريعة والأنظمة، فهناك قيود شرعية وقيود نظامية تحولان دون رغبة المتعاقدين على الاتفاق على ما يخالفهما. وقد يُقال بأن الأولى هو التسبيب والاستدلال بالنصوص الشرعية في تأسيس هذا المبدأ بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وبحديث الترمذي: (المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالًا).
والشروط التقييدية التي يشترطها العاقدان في العقود تُسمى في الفقه بالشروط الجعْلية أو العقدية؛ وغرضها هو إلزام الطرف الآخر في العقد، وهذه الشروط إما أن تكون صحيحة أو فاسدة أو مختلف فيها. وباب الشروط في العقود هو بابٌ كبيرٌ، لا تكفيه هذه المقالات الموجزة، ولكن هدف المقالات هو فقط تبيين بعض الإشكالات في بعض التطبيقات القضائية؛ محاولةً للمساهمة في حلها.
١/ فالقسم الأول من الشروط في العقد هي الشروط الصحيحة، وهي الشروط الموافقة لمقتضى أو مقصود العقد أو مصلحة العقد. وهذه الشروط في الجملة لا يختلف فيها التطبيق القضائي مع التأصيل الفقهي. ومعنى مقتضى العقد في عقد البيع مثلًا هو انتقال ملكية الثمن للبائع، وملكية المثمن للمشتري، فيحقُّ للبائع والمشتري بعد العقد أن يتصرفا فيما آل إليهما كيفما يشاءان كتصرف الملاك، فالبائع آل إليه الثمن فيتصرف فيه كما شاء، والمشتري آل إليه المثمن فيتصرف فيه كما شاء.
ومثال الشروط الموافقة لمقتضى العقد: اشتراطُ المشتري على البائع تسليم السلعة، واشتراطُ العاقدين خيار المجلس؛ فهذه الشروط وجودها كعدمها، إذ لا تفيدُ حكمًا جديدًا؛ لأنهما يقتضيهما إطلاقُ العقد، فاشتراطهما إذن هو بيانٌ وتأكيدٌ لمقتضى العقد. ومثال الشروط التي بها مصلحة في العقد: اشتراطُ تأجيل الثمن أو السلعة، أو اشتراط خيار الشرط، أو اشتراط وجود الرهن، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع، أو اشتراطُ المؤجر على المستأجر حلول أقساط الأجرة المستقبلية كاملة على المستأجر إذا لم يتم سداد أي قسط في موعده، مع بقاء أحقية المستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة حتى نهاية عقد الإجارة؛ فهذه شروط صحيحة فيها مصلحة في العقد، ويلزم الوفاءُ بها. ومنها: أن يقول البائع أبيعك هذه السلعة على أن تؤجرني بيتك أو تبيعيني سيارتك؛ فهذا شرط صحيح، وليس داخلاً في حديث النهي عن (بيعتين في بيعة)، وبه قال أكثر المجامع الفقهية المعاصرة وابن تيمية، رغم منع أئمة المذاهب الأربعة لها؛ لكونه عقد معاوضة اشترط فيها معاوضة أخرى.
٢/ والقسم الثاني من تلك الشروط في العقد هي الشروط الفاسدة، وهي إما شروطٌ تُفسد العقد وإما شروطٌ لا تُفسده. وهذه الشروط أيضًا في الجملة لا يختلف فيها التطبيق القضائي مع التأصيل الفقهي.
فالشروط التي تُفسد العقد كثيرٌ منها منصوص تحريمه في الشريعة، ورابطها أنها من بيوع الربا. ومن أشهرها: اشتراط عقد المعاوضة في عقد التبرع أو العكس فيجمع العاقدان بينهما؛ لحديث (لا يحل سلف وبيع)، ومعلومٌ أنه لو أفرد أحدَهما عن الآخر: صح؛ وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر: ذريعة إلى أن يُقْرِضه ألفًا، ويبيعه سلعةً تساوي ثمان مئة بألف أخرى؛ فيكون المُقرض قد أعطى المقترض ألفًا وسلعة بثمان مئة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا، فيكون تحريم هذه المعاملة من باب القرض الذي جر نفعًا، وكل قرض جر نفعًا فهو ربا. ومنها: حديث النهي عن (بيعتين في بيعة) والمفسّرة بأنها بيع العِينة، فيبيعُ البائعُ السلعةَ على المشتري مؤجلة بألفين مثلًا، ثم يشتري ذلك البائع تلك السلعة من المشتري حالّةً نقدًا بأقل كألفٍ مثلًا؛ فهذه حيلة على الربا، إذ كأن البائع أعطى المشتري ألفًا نقدًا، حتى يردَّ المشتري للبائع ألفين مؤجلة. ومنها: حديث النهي عن (شرطان في بيع)، وذلك على تفسير المحققين من الفقهاء بأن المقصود به بيع العينة، فيكون بمعنى حديث النهي عن (بيعتين في بيعة).
وأما بالنسبة للشروط التي لا تُفسد العقد، فمنها: ما هو منافٍ للشرع، كاشتراط الزيادة الربوية في عقد القرض، فيصح عقد القرض ويفسد شرط الفائدة الربوية، على قولٍ. وأيضًا، كأن يشترط المشتري على البائع أنه إذا لم يربح في السلعة فإنه يحقّ له ردّها للبائع، فيصح العقد ويفسد الشرط. ومن الشروط التي لا تُفسد العقد ما هو مخالفٌ للأنظمة، كاشتراط البائع أن السلعة المباعة لا تردّ ولا تستبدل؛ لمناقضة ذلك الشرط حق المستهلك وفقًا لنظام مكافحة الغش التجاري، فيصح عقد البيع، ويُهمل الشرط. ومنها: الشروط المخالفة لأحكام نظام العمل، فيبطل مثلًا كل إبراء أو مصالحة عن الحقوق الناشئة للعامل بموجب نظام العمل أثناء سريان عقد العمل ما لم يكن أكثر فائدة للعامل. ومنها: اشتراط المؤجر سحب العين المؤجرة من المستأجر إذا تخلف عن سداد الأجرة في الوقت المحدد. والمستندُ على إعمال العقود الصحيحة مع إهمال شروطها المخالفة هو حديثُ بريرة –رضي الله عنها- في البخاري (ما بالُ رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله [أي: ما خالف كتاب الله] فهو باطلٌ، وإن كان مائةَ شرط، قضاءُ الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثقُ).
٣/ والقسم الثالث من الشروط في العقد، وهي محل المقالة هنا، الشروط التي يُطلق عليها الشروط المنافية لمقتضى أو مقصود أو مصلحة العقد. وهذه الشروط في الجملة يختلف فيها التطبيق القضائي مع التأصيل الفقهي، والخلاف في هذه الشروط مختلفٌ فيه حتى بين أصحاب المذهب الفقهي الواحد. ولكن درءًا للتطويل وقصدًا للإيجاز؛ فإن هذه الشروط تختلف بحسب نوعيتها. وسيأتي تفصيلها في المقالة القادمة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال