الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يجتهد العديد ببداية وهج التعاقد ومتعة الاستثمار بكتابة تفاصيل العقد من موضوعات، والتزامات، وبنود شكلية أخرى، ويتغافلون عن احتمالية النزاع وتباعاته وعن كيفية حله لو طرأ، وشعارهم “الأمور طيبة.. وما راح نختلف”. وبطبيعة الحال، فإن الأطراف ابتداءً لا يرجون وجود خلاف وإلا لمَا تعاقدوا. ولكن التنازع وارد; ولذا دائماً ما يوصَى بالاعتناء ببند حل النزاعات وتفادي “شرط منتصف الليل”. وفكرة هذا المصطلح التشبيهي أنه كما لو تم الانتهاء صياغة غالب العقد وتبقى بند حل النزاع، فيُسنَد لأحدهم صياغته ليلاً لاعتماده في الصباح دون إمعان في تفاصيله أو تدقيق في ألفاظه; وهذا الاتفاق مظنة نقصان وعيب. وفي الحديث عن التحكيم، فإن هناك مجموعة من الاعتبارات الصياغية التي يجب التيقظ لها والتبصر في ألفاظها للحصول على اتفاق تحكيمي جامع مانع، نشير إلى بعض منها فيما يلي:
حرٌ أو مؤسسي:
التحكيم على نوعين حرٌ أو مؤسسي. ويقصد بالتحكيم الحر الذي يتم الإشراف عليه من قبل الأطراف المتنازعة أنفسهم. فتُصاغ بنوده وفق رغبتهم حيال كيفية التبليغ بالتحكيم، عدد المحكمين، إجراءات التحكيم، الجدول الزمني، وأي بنود أو قيود كالاستغناء عن الشهود أو الإفصاح عن المستندات. وفي التحكيم الحر، يُنصح باعتماد قواعد استرشادية كقواعد الأونسيترال للتحكيم النموذجي الذي من دورها تسهل عملية التحكيم. ولا يمكن إغفال أن التحكيم الحر الذي يُنظر فيه إلى نزاع موضوعي أو فني بحجم ميزانية يسيرة أنه هو الخيار الأنسب لقلة تكلفته ولمرونته. أما التحكيم المؤسسسي، فيتم الإشراف عليه من قبل مؤسسة تحكيمية كالمركز السعودي للتحكيم التجاري والذي يقوم بدوره بالإشراف على هيكلة التحكيم وفق القواعد الخاصة به، إضافة إلى عدد من الخدمات كتهيئة مكان التحكيم وتوفير قائمة المحكمين المعتمدين لديه وذلك بمقابل رسومه الإدارية ورسوم العملية التحكيمية ككل. ولا شك أن التحكيم المؤسسي هو الأداة الأمثل لو أن حجم التعاقد كبيراً أو كان أطراف العقد من جنسيات مختلفة أو أن للنزاع تفريعات فنية يُحتاج فيها إلى إشراف مؤسسة تحكيمية. ومع أن الأطراف عادة يختارون نوع التحكيم لاِعْتِبارات عدة، إلا أنه من اللازم في صياغة شرط التحكيم بيان نوعه وذكر تفاصيله وعدم الإيجاز بــ “يحال النزاع بين الأطراف إلى التحكيم…”.
البلد الصديق:
إن من أهم بنود الاتفاق التي لا يجب إغفالها الاختيار المناسب لبلد التحكيم خصوصاً في التحكيم الأجنبي، وعلى أن يكون ذلك البلد المُخْتار ممن يُشهد له بتفضيل التحكيم وتشجيعه أو بعبارة أخرى pro-arbitration jurisdiction. ويقصد ببلد التحكيم بالمقر الذي يُرجع له في تحديد إجراءات التحكيم. والبلاد على فريقين: إما المشجعة للتحكيم أو تلك المنحازة للقضاء. ومن إحدى العبر في التمعن باختيار بلد التحكيم هو بمعرفة مدى تأثير السلطة القضائية بالبلد المختار على عملية التحكيم. فمن البلاد من لا تستغنِ عن سُلطاتها القضائية تجاه سماع الأقوال المتخاصمين واحتمالية الخوض في أصل النزاع لتحديد عاقبة النزاع إما لتحكيمٍ أو قضاء. ومن هنا يتبين كيف أن لمحكمة بلد التحكيم تأثير بليغ على إجراءات التحكيم وأحكامه وكيف يمكن أن تكتفي المحكمة المشجعة بلدها للتحكيم بنية الأطراف باللجوء إلى التحكيم وذلك احتراماً لمبدأ حرية اتفاق الأطراف. وفكرة البلد صديق التحكيم لا تعني مطلقاً إثبات التحكيم في كل حالاته بل إعمال الأصلح لاتفاق التحكيم المبرم بين الأطراف. ومن مظاهر البلد الصديق للتحكيم إعماله لقوانين التحكيم الدولية والتي في مقدمتها قانون الأونسيترال للتحكيم النموذجي حيث يحوي نصوصه على مواد تعزز من مبادئ التحكيم كحرية الأطراف، استقلاليتهم، تنفيذ أحكام المحكمين وغيرها.
نطاق التحكيم:
ينبغي على المتعاقدين تحديد نطاق التحكيم الذي سيخوض فيه الأطراف نزاعهم. فهل كل، أي، أو بعض النزاعات بين الأطراف سيكون حلها عبر التحكيم؟ وهل يمكن أن تكون هذه النزاعات في المواضيع المنصوص عليها في العقد أم كذلك المواضيع المتعلقة به أو حتى ناشئة منه؟ لأنه كما هو معلوم أن مِن البلاد مَن لا تُجيز اللجوء إلى التحكيم لمنازعات الأقضية الجنائية، أقضية الجنسية أو الهجرة، بعض قضايا الأحوال الشخصية، وكذلك بعض العقود الإدارية بشكل عام. وفي نظام المملكة العربية السعودية، فإنه لايصح الإلتجاء للتحكيم في بعض النزاعات كالتي لا يجوز فيها الصلح أو تلك المرتبطة بالنظام العام للبلد. وإن مما ينبغي توجيهه للأطراف المتعاقدة ببيان عناصرٍ أساسية في اتفاق شرط التحكيم وذلك بأن يكون النطاق واسع “ككل” النزاعات وكذا “الناشئة منه أو المرتبطة فيه” مع التأكيد على “نهائية” أداة التحكيم في حل المنازعات لو طرأت.
تجنب التعارض أو الإبهام:
إن من أهم المهمات في شرط التحكيم أو مشارطته، الابتعاد عن الإبهام والتأكيد على الإفصاح وأن جميع ما يرد في شرط التحكيم موافق لقواعد اللغة وسليم من عيوب الصياغة. فلو طرأ نزاع لاحق حيال اتفاق التحكيم، فسوف يكون المرجع في هذا النزاع اتفاق التحكيم المبرم. وكذا من المهم عدم التخيير بين أدوات حل المنازعات كأن يُصاغ بأن “حل النزاع بين الأطراف يكون عبر التحكيم أو القضاء”. ومن الواجب اجتناب التعارض فلا يصح أن يتفق الأطراف في التحكيم المؤسسي على إعمال قواعد المركز السعودي للتحكيم التجاري واختيار مركز دبي للتحكيم الدولي كمشرف لإجراءات التحكيم. وكذلك من اللازم كتابة اسم المؤسسة التحكيمية بشكل كامل وتجنب الإبهام، فلا يصح أن يتفق الأطراف على إشراف “المركز السعودي للتحكيم” من غير إيضاح أي المراكز; فهل هو المركز السعودي للتحكيم التجاري، أو العقاري أو الهندسي؟ وحتى على صعيد التحكيم الأجنبي أو الدولي، فلا يجوز أن يختصر اسم المركز بــ ICC مثلاً، لأنه قد يرد الاستشكال لاحقاً هل المقصود به محكمة العدل الدولية أم غرفة التجارة الدولية حيث أن لكلا الجهتين نفس الاختصار؟
الحقيقة أن هناك مجموعة من النقاط الصياغية التي لا يسع المجال بيانها كلها كعدد المحكمين، القانون الواجب التطبيق، اللغة، وغيرها مما يجب أو يُجتنب في شرط التحكيم، ولكن العبرة مما تم بيانه هو بالاهتمام بصياغة شرط التحكيم وتجنب “شرط منتصف الليل” ومتابعة اتفاق التحكيم المراد إعماله مع محاميك للتأكد من سلامة الشرط وعاقبته.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال