الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
هل تقدَّم فروع الجامعات والمعاهد الأكاديميَّة الأجنبيَّة حلولًا أنجع في تطوير مستوى التعليم العالي، مماثلة ببناء منظومة جامعات ومعاهد وطنيَّة؟
هل هناك مجتمع متقدِّم نجح في بناء نهضة علميَّة أو اقتصاديَّة متطوِّرة باعتماده على مؤسَّسات تعليميَّة أجنبيَّة وطواقم مستوردة، دون الاعتماد أساسًا على الجامعات والمعاهد الوطنيَّة؟
ما هي مخاطر الارتكاز على مؤسَّسات تعليميَّة وكوادر أجنبيَّة في بناء الاقتصاد والمجتمع على سلامة الدولة وأمنها؟ وما هي الكلف الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة المترتبة عن ذلك؟
هذه التساؤلات المهمَّة وسواها تستحقُّ التوقَّف والتحليل والإجابة من قبل المطالبين في “استيراد التعليم العالي الأجنبي” لتجنَّب أخطاء وتداعيات مستقبليَّة قد تهدِّد نجاح خطط التنمية الاقتصاديَّة، وبرامج التطوُّر الاجتماعي . والأهم؛ تفادي فشل جهود بناء الإنسان الفعَّال المؤهَّل، والأجيال القادرة على مواصلة مسيرة البناء والتطوُّر.
لا تقدِّم هذه المشاركة أجوبة تفصيليَّة عن التساؤلات المطروحة، لكنَّها تثبت موقفًا واضحًا ورافضًا لفكرة استيراد معاهد التعليم العالي الأجنبيَّة، ومنحازًا بشكل موضوعي إلى خيار بناء نهضة علميَّة وطنيَّة أصيلة.
من المسلَّم به، يتوقَّف نجاح مساعي بناء مجتمع متطوِّر ومنتج، واقتصاد متين مزدهر ومستدام أساسًا على إيجاد قاعدة علميَّة، ومنظومة تعليميَّة حديثة، وجامعات ومعاهد أكاديميَّة وطنيَّة رصينة قوامها أسس علميَّة، تشـرف عليها قيادات تربويَّة وتعليميَّة وطنيَّة كفؤة. كما أنَّ بناء هيكل تعليمي وطني فعَّال شامل ومتكامل، يعدُّ استثمارًا طويل الآمد، وعمليَّة تتطلَّب الكثير من مقوِّمات النجاح. أبرزها، توفر الرؤية الصائبة والتخطيط الناجح والجهد والمثابرة، ورأس المال، إلى جانب توفر الدعم الحكومي والمجتمعي. أهمَّ ما يجب تجنَّبه في عمليَّة بناء المؤسَّسات العلميَّة الوطنية اتِّخاذ قرارات متسـرِّعة وتبني خطط يصعب تنفيذها ، و “حرق المراحل”. هذه الاخطاء التخطيطية والتنفيذية غالبًا ما تفرز مخرجات تعليميَّة هجينة وضعيفة .
تقدِّم تجارب المجتمعات المتقدِّمة أدلَّة قاطعة على أنَّ بناء صروح علميَّة رصينىة، تسهم في نموِّ الاقتصاد وتطوُّر المجتمع لا يتم عبر استيراد مؤسَّسات وأطقم وتعليميَّة أجنبيَّة، بل من خلال بناء أطر علميَّة وأكاديميَّة وطنيَّة، وتأهيل أطقم علميَّة وتعليميَّة وطنيَّة كفوءة.
لا جدال في أنَّ بناء نهضة تعليم عالٍ وإنشاء مؤسَّسات أكاديميَّة وطنيَّة، تسهم في تطوير المجتمع، تقتضـي الضـرورة العمل على إيجادها بصرف النظر عن كلف البناء ومدَّته الزمنيَّة. الدول التي حقَّقت “معجزات اقتصاديَّة” خلال العقود الأربعة المنصرمة كسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبيَّة، وغيرها من الدول الناشئة التي تمكنت من بناء تجارب اقتصادية ناجحة ، استندت استراتيجياتها التنموية على إنشاء مؤسَّسات علميَّة وطنيَّة، والاعتماد عليها في بناء اقتصاد العلم والابتكار والمعرفة، دون المراهنة على الجامعات الأجنبيَّة .
ما يثيرالقلق على مستقبل التنمية والبناء في الوطن العربي ومستقبل الأجيال القادمة بشكل خاص، تصاعد دعوات استيراد الجامعات والمعاهد والمدارس الأجنبيَّة خيارًا تعليميًّا، وتنمويًّا بدلًا من خيار بناء قاعدة علميَّة أكاديميَّة وطنيَّة.
تعزى هذه الدعوات الخطرة إلى دوافع متباينة ومتعدِّدة: منها؛ الحرص على تطوير مستوى التعليم العال دون إدراك تبعات الاستناد على مؤسَّسات أجنبيَّة. وبعضها دعوات ذاتيَّة منطلقها ودوافعها ربحيَّة صادرة عن تجَّار التعليم والثقافة. ثمَّة أيضًا دعوات تعكس ثقافة هامشيَّة ” Falls paradigm” مقتنعة بتفوُّق الأنظمة الأجنبيَّة والعنصر البشري الاجنبي على القدرات الوطنيَّة.
التمسَّك بخيار “وطنيَّة الجامعات والمعاهد الأكاديميَّة” لا يعني الدعوة إلى مقاطعة المؤسَّسات التعليميَّة الأجنبيَّة، أو عدم التفاعل معها، اوالاستفادة من خبراتها، ومن مراكز بحوثها. ثمَّة العديد من صيغ التعاون المتاحة للجامعات الوطنية مع الجامعات الأجنبيَّة المتقدِّمة واستثمار قدراتها. أبرزها، إعارة أطقم تعليميَّة وبحثيَّة، وتنظيم مؤتمرات علميَّة وورش عمل متخصصة ، اعداد بحوث المشتركة، وتطوير الخبرات ، وتأسيس مراكز أبحاث مشتركة، الابتعاث والزمالات الدراسيَّة، والتوأمة وسواها من صيغ التعاون .
لقد تبنت بعض الدول، ومنها أقطار خليجيَّة خلال العقدين المنصرمين تجربة إقامة فروع لجامعات أجنبيَّة، أو كثر دقَّة جامعات بمسمَّيات أجنبيَّة، تمارس مهامها وفقًا لحقوق امتيازاستخدام اسم الجامعة! إلَّا أنها عجزت عن تحقيق إنجازات علميَّة، أو إنتاج مخرجات تعليميَّة جيَّدة، وتحوَّلت غالبيَّتها الى منشآت ربحيَّة تمنح شهادات تخرُّج للملتحقين كافَّة، ودون أن تخلق قيمًا مضافة إلى مجتمعات الدول المضيفة واقتصادها.
ما يبعث على الاطمئنان، إصرار القيادات التعليميَّة في عددٍ من الأقطار العربيَّة، والمملكة العربيَّة السعوديَّة في مقدَّمتها ، على بناء جامعات وطنيَّة متطوِّرة تحتلُّ موقعًا أكاديميًّا عالميًّا متقدِّما خِلال العقد الراهن .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال