الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تتباين المواقف من أهميَّة الاقتصاديِّين ودرجة مشاركاتهم في إعداد خطط النموِّ الاقتصادي وسياقات تنفيذها، وجدوى إسهامهم في تصميم المشاريع الاستثماريَّة الكبرى تبعًا لدرجة تقدُّم الاقتصاد والمجتمع، حيث تتوسَّع أدوراهم، وتزداد اهمية مشاركاتهم في الاقتصاديّات المتقدِّمة وتتضائل في الأقلِّ تطوُّرًا، أو نضجًا.
في منتصف القرن التاسع عشر، وصف المؤرِّخ الإسكتلندي (توماس كارليل – Thomas Carlyle ) الاقتصاد بِـ (العلم الكئيب ـDismal Science ). ما أوحى “لكارليل” بإطلاق هذه التسمية، غدا مسالة خلافيَّة بين مؤرِّخي الفكر الاقتصادي . منهم من يعزي ذلك إلى تأثير التنظير المتشائم للاقتصادي الإنكليزي (توماس مالثوس Thomas Malthus)، ونظريَّته القائمة على فكرة أنَّ نموَّ السكَّان بمعدَّلات أعلى من نموِّ الموارد الغذائيَّة يزيد من مخاطر الفقر والمجاعات والكوارث الإنسانيَّة. في حين عزى آخرون موقف “كارليل” ردًّا على طروحات الاقتصادي الإنكليزي (جون ستيوارت مل -John Stuart Mill ) المتعلِّقة بتوزيع الثروة بين الشعوب، ودور نظام العبوديَّة في نموِّ الاقتصاد وتطوُّره.
التشكيك في أهميَّة علم الاقتصاد، ودورالاقتصاديِّين ما يزال قائمًا. وينطلق من مبرِّرات غير مقنعة، وقصورفي فهم الطبيعة الموضوعيَّة والنظرة الشموليَّة للتحليل الاقتصادي التي تتناول جواب المشاريع كافَّة والبرامج المقترحة بما في ذلك المخاطر المستقبليَّة وقياس أثرها في مفاصل الاقتصاد الكلِّي وأداء القطاعات الاقتصاديًّة.
هذا النمط من التحليل، غالبًا ما يطرح حلولًا عقلانيَّة واقعيَّة ربَّما لا تتَّفق فرضيَّاتها ونتائجها مع ذِهنيَّة رجال الأعمال مُحبِّي المخاطرة، أو مع معاييرهم الماليَّة والتجاريًّة! وربَّما لا تَّتفق أيضًا مع تصوُّرات متَّخذي القرارات العامَّة الراغبين في إبراز الجوانب الإيجابيَّة للمشاريع دون التطرُّق إلى مخاطرها المستقبليَّة!
الجدير بالاعتبار، أنَّ مجالس الإدارات، والمجالس التخطيطيَّة والتنفيذيَّة لعدد كبيرمن الشـركات الخاصَّة الكُبرى، والمؤسَّسات العامَّة وشبه الحكوميَّة في دول مجلس التعاون الخليجي وأقطار عربيَّة أُخرى، لا تضمُّ في عضويَّتها خبراء اقتصاديِّين. بل أنَّ جلَّ أعضائها من المختَّصين بالعلوم الماليَّة والمحاسبيَّة والإداريَّة والهندسيَّة والقانونيَّة.
كيف تفَسِّر هذه الظاهرة؟ وهل ثمَّة علاقة بين “تغييب” خبراء الاقتصاد، وارتفاع نسب التعثُّر والفشل في إنجاز المشاريع الاقتصاديَّة والبرامج التطويريَّة في عدد من دول المجلس؟ مع تجنُّب الإجابة عن التساؤلين في هذه المشاركة، لعدم توفُّرمعطيات تحليليَّة، وقاعدة بيانات صلبة تتيح تقديم إجابات موضوعيَّة بعيدة عن التكهُّنات والتقديرات الشخصيَّة. ودون اتِّخاذ موقف نقابي منحاز إلى الاقتصاديِّين، ودون أن نبخس أهميَّة الاختصاصات الأُخرى وأدوارها المهمَّة في تخطيط المشاريع وتنفيذها، أو نقلِّل من كفاءة أصحابها وقدراتهم وقيمة عطائهم. إلَّا أنَّ “تغييب” الاقتصاديِّين عن حلقات اتِّخاذ القرارات الأساسيَّة، وعدم استثمار طاقاتهم غالبًا ما يترتَّب عنه زيادة احتمالات فشل البرامج والخطط، وزيادة مخاطرها المستقبليَّة وتأثيرها السلبي في إنتاج القطاعات الاقتصاديَّة، وعلى نموِّ الاقتصاد واستقراره .
والجدير بالحسبان أيضًا أنَّ دراسات الجدوى، وتقييم المشاريع الخاصَّة والبرامج العامَّة غالبًا ما تُقتصرعـلى استخدام المعايير الماليَّة والتجاريَّة والهندسيَّة، دون مراعاة المعايير الاقتصاديَّة وأسس التحليل الاقتصادي. تبعات هذا النهج السلبيَّة جليَّة في عدد كبير من مشاريع توسيع شبكة الطرق الداخليَّة والخارجيَّة وفي المشاريع السكنيَّة و المدن الصناعيَّة، والصناعات الموجَّهة للتصدير، وغيرها من المشاريع.
من المسلَّم به، أنَّ توظيف قدرات الاقتصاديِّين واستثمار خبراتهم يعزِّز كفاءة الأداء، ويقلِّل المخاطر، ويزيد من الفرص البديلة، ويرفع القيم المضافة للمشاريع العامَّة والخاصَّةً. وعلى مستوى التخطيط، خبرات الاقتصاديِّين من شأنها أن تسهم في رسم خطط فعَّالة ذات أهداف واقعيَّة متناغمة مع القدرات والإمكانات المتاحة. ويترتَّب عنها توزيع الموارد الاقتصاديَّة والبشريَّة على المشاريع والقطاعات بكفاءة، ووفقًا لمعيار أعلى قيمة اقتصاديًّة مضافة. أما على صعيد التنفيذ، فتوظيف الخبرات الاقتصاديَّة، يتيح صياغة استراتيجيَّة تنفيذيَّة مبنيَّة على أسس اقتصاديَّة تعزِّز كفاءة الانتاج والتوزيع، وترفع معدَّلات الانتاجيَّة والربحيَّة. كما تتيح قياس أثر المشاريع والبرامج في أداء القطاعات الأُخرى وانتاجيَّتها، وعلى متغيِّرات الاقتصاد الكلِّي.
التوسُّع في توظيف خبرات الاقتصاديِّين، وزيادة استثمار العقول الاقتصاديَّة الوطنيِّة المقتدرة على تخطيط الاقتصاد الوطني، وتنفيذ المشاريع البنيويَّة، لا يعدُّ إلغاءً، أو إحلالًا للاختصاصات الأُخرى، أو التخلِّي عن المعايير الماليَّة والتجاريَّة في آليَّة اتِّخاذ القرار. بل هو تعزيز للقرارات ورفع فاعليَّتها، وضمانة لاستخدام الموارد الاقتصاديَّة بكفاءة، وتجنُّب الهدر المالي والبشري، وتعجيل برامج النموِّ الاقتصادي والتطوُّر الاجتماعي.
زيادة نسبة إسهام الاقتصاديِّين في المنشآت الخاصَّة والمؤسَّسات العامَّة، في المستويات التخطيطيَّة والتنفيذيَّة المتقدِّمة خاصَّةً، والتوسُّع في استخدم الطاقات الاقتصاديَّة الشابَّة المتخرِّجة حديثًا تعدُّ ضرورةً تنمويَّة لازمةً بالغة الأهميَّة .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال