الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
ذُكر في مقالة الأسبوع الماضي (المقال هنا) النسبة الهائلة التي وصل إليها إجمالي الدين الصيني 270% من مجمل الناتج المحلي في نهاية 2020، وأول الاتجاهات للدائنية الصينية المتمثلة في استثماراته في سندات الخزينة الأمريكية والاستحواذ على الأصول النوعية في آسيا وإفريقيا وأوروبا.
الإتجاه الآخر في دائنية الصين يتمثل في إقراض الحكومة الوطنية وشركاتها للاقتصادات الناشئة خاصة في أسيا وإفريقيا، بما يخدم الصين في توسيع مشاريعه الخارجية ضمن إطار مبادرة “الحزام والطريق”، وهي خطة استثمار طموحة تركز على البنية التحتية لبناء السكك الحديدية والطرق والموانئ البحرية والجوية، لخدمة الصين في المقام الأول من خلال ربطه بآسيا وإفريقيا ووصولا إلى أوروبا.
هذه القروض تنتهج آلية إقراض تمويل المشاريع (Project Finance) وهي آلية تضع كامل المشروع تحت وصاية المُقرض حتى وفاء كامل القرض وخدمة الدين والأرباح، والمُقرض هنا هو البنوك الصينية السياسية (البنوك في الصين نوعان تجاري للنشاط الداخلي وسياسي للنشاط الخارجي)، ووفقًا لتقرير صادر عن معهد التمويل الدولي في يناير 2021، فقد تبين أن الديون المستحقة للصين في الخارج قد وصلت إلى أكثر من 5.6 تريليون دولار أمريكي في هذا المضمار، مما يجعل الصين من أكبر الدائنين الدوليين خاصة للبلدان منخفضة الدخل.
الحزب الحاكم الصيني تعامل بجرأة عالية مع الدين سواء محليا أو خارجيا لغايات اقتصادية وسياسية متشابكة بشكل معقد، مؤمِلا في مضاعفة أرقام النمو الاقتصادي بحلول عام 2035، إلا أنه اليوم يواجه تحديات صعبة على المستوى الداخلي، بسبب حالات التخلف الجادة عن السداد في السندات المباعة من قبل الشركات الحكومية، والخوف يتزايد من أن مثل هذا التخلف عن السداد قد يؤدي إلى أزمة مالية في القطاع المصرفي التجاري، ومع ظهور بعض الحكومات المحلية في حالة عجز عن دفع مستحقات الحكومة الوطنية، فهذا يمكن له أن يمُس الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
لذلك، مسألة تخفيض الديون الداخلية تمثل اليوم أولوية لكبح جماح تراكم المزيد من الديون المعدومة، مما وضع كل آليات التمويل الحكومية المحلية (LGFVs) تحت إعادة الهيكلة الكاملة بقيادة بنك الشعب الصيني (البنك المركزي)، مع إعادة مراجعة الحزب الحاكم لرؤيته ليستغني عن فكرة معدلات النمو العالية ويكتفي بمعدلات نمو قائمة على متوسط ثابت، إلا أن سُمح أخيرا للبنوك الصينية التجارية بخفض الحد الاحتياطي النقدي فيها، مما أوجد حالة من الحيرة حول الوضع الاقتصادي الداخلي وسياساته.
أما خارجيا، فقد بدأ السعي للاستحواذ على الأصول الأجنبية في التباطؤ الملحوظ، وأيضا عمليات الإقراض للدول الصغيرة، مع اعادة النظر في الديون الخارجية خاصة للدول الفقيرة بعد أن ظهرت بعض هذه الدول غير قادرة على الوفاء بما التزمت به، وبعد أن حاصرت الولايات المتحدة الصين بتهمة نصب “فخ ديون” لهذه الدول مقابل مشاريع ليست ذات مردود جيد عليها حسب وجهة النظر الأمريكية.
تراكم الدين الصيني (له وعليه) بالترليونات محليا وخارجيا يضع الحزب الحاكم أمام تحدي ليس بالسهل ويحق للكثير أن يبدي قلقه، خاصة مع الحرب التجارية الدائرة بين الصين والاتحاد الأوروبي من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال