الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
مما لا شك فيه أن الثورات الصناعية لها آثارها الإيجابية على العالم كله، خاصة الدول النامية ومجتمعاتها من خلال إنتاج السلع ونماء الثروات وارتقاء مستوى المعيشة وتوسيع الرقعة الحضرية، وربما الأهم هو زيادة وتنوع التعليم.
اليوم ومع ما يسمى اصطلاحا بالثورة الصناعية الرابعة (4IR) أو الصناعة 4.0 – وهي غطاء لمشروع العولمة 4.0 – تُحضّر مجتمعات الدول النامية على قبول ما يُقدم لها طوعا وبِنَهم ضمن إعداد بنيتهم التحتية والثقافية للمستقبل، وهذا القبول نتيجة استجابة طوعية لما تبثه هذه المرحلة الانعطافية من وعود تداعب المشاعر والآمال.
أصبحت المنتجات والخدمات القائمة على إنترنت الأشياء والأجهزة والبيانات والرقميات أهم من أي شيء آخر في الحياة، كما لو أن التكنولوجيا قد طغت على الإنسانية، فالوعد بالتطور الذي تقوده الآلة له جاذبيته المثالية وبواقع نتاج ملموس، فتساق المجتمعات – بإيمانها اليقيني بها – للخامسة التي بدأت حراكها في الخفاء على أدلجة إتخاذ القرار الفردي، ومن ثم السادسة التي توضع أسسها اليوم وهي مرحلة السلب الناعم للثروات وبموافقة أصحابها.
هذا التسيير الأملس لمجتمعات الدول النامية يحصل تحت عناوين مبهرة مثل الإبتكار والإبداع والأرباح والإزدهار والتقدم الرقمي نحو النمو الاقتصادي، وليطلق العنان للإمكانات البشرية من خلال بث روح الرغبة في التعلم وهي مسألة هامة بكل تأكيد، ولكن هنا يبدأ الانحراف عن البوصلة الأخلاقية، بحيث يجد أفراد هذه المجتمعات خاصة الشباب أنهم يساقون لنمط مبرمج في نوعية التعليم الذي يضمن لهم ما وعدتهم بها هذه المرحلة الساحرة، ولتجد السياسات التعليمية نفسها على مفترق طرق.
ما يحصل حاليا في منظومات التعليم – خاصة التعليم العالي – في الدول النامية هو إنجرار حاد نحو علوم المعرفة النفعية في التكنولوجيا وأدواتها وفنياتها، وهنا الفخ الذي تنصبه الصناعة 4.0 لهذه المجتمعات، بحيث تهمل علوم المعرفة التطويرية للفكر مثل العلوم الاجتماعية والإنسانية التي هي الركاز الأول لتمكين الفئة التي تريد التعلم أن تتمكن من استخدام أدوات المعرفة النفعية فيما يخدم هذه المجتمعات، وأيضا لبناء جدار دفاعي ضد أي خطط محتملة لمسخ كياناتها.
هذا التوجه الجاف والناقص في بناء المعرفة التطويرية في الكثير من الدول النامية هو بمثابة صعودها نحو الهاوية، فالمجتمعات أكبر من أن تختزل في اقتصادات مجردة فقط، وهذا ما جعل بعض الدول منتبهة لهذا الأمر.
فبينما تعمل الدول النامية المتيقظة – والمملكة العربية السعودية من ضمنهم – في الاستفادة من مرحلة الصناعة 4.0 وعلومها من خلال دعم اكتساب المهارات الفنية لأبنائها فيما يعرف اصطلاحا بالمعرفة النفعية، ترسخ سياستها التعليمية على مبدأ أن تكون علوم المعرفة التطويرية للفكر – التي تضمن تعميق الهوية والرقي السلوكي – قائم وأساسي من خلال العلوم الإنسانية مثل اللغة الأم وأدبياتها والدين والقانون والتاريخ والفنون الراقية، حتى تضمن تحقيق التوازن المطلوب في تعزيز تواجد مجتمعاتها بهوية ذات مرجعية حضارية وثقافية صلبة، وأيضا متقدمة علميا وانتاجيا.
بناء مجتمع باقتصاد مزدهر بالإنتاج والنمو والتنمية التي تنعكس على مستقبل الدول النامية في ظل سيادتها وحماية مستقبلها الحضاري والثقافي مسألة لا جدال فيها، إلا أن الخيارات التي ستتخذها هذه الدول في نوعية وتنوع تعليمها هو ما سيضمن لها تحقيق ذلك.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال