الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تحدث الجلطة الدماغية (Brain Injury/Stroke) حين ينقطع أو ينخفض تدفق الدم إلى الدماغ. وقد يتساهل الطبيب في بعض أعراضها؛ إذ قد يعزوها إلى صداع نصفي أو مجرد صداع بسيط. ورغم أنه قد يتعافى المُصاب منها نسبياً إلا أنه من المحتمل بقاء إعاقة طويلة الأمد تؤثر على جانب أو عدة جوانب من حياته، مثل تشنج العضلات، أو صعوبة الكلام وتناول الطعام، أو فقدان الذاكرة، وغيرها. ونحن نريد التعرف على كيف يتسبب الإهمال الطبي في إصابة شخص بجلطة أو سكتة دماغية من خلال عرض واقعتين حدثتا في المملكة المتحدة (بريطانيا) ثم نعلّق عليهما.
الواقعة الأولى: كانت مع سيدة تُدعى (جين) تبلغ من العمر 81 عاماً، حين اتصلت بطبيب عام خارج ساعات العمل لشعورها بدوار إلى درجة عدم وضوح في كلامها، ومع ذلك قيل لها ببساطة: يمكنها زيارة طبيبها العام في اليوم التالي. وبالفعل، شخّصها طبيبها العام من الغد بأنها مصابة بجلطة دماغية خفيفة وأحالها إلى مستشفى المدينة. في الليلة وقبل دخول المستشفى أُصيبت بجلطة دماغية أخرى أكثر خطورة، وعلى إثره أُعطيت إسبرين فقط. هنا تضاعفت الإصابة الدماغية للسيدة.
ونتيجة لذلك؛ استُعين بمحام متخصص لرفع دعوى إهمال طبي ضد المستشفى لتقصيره في أداء العمل وفقاً لأفضل الممارسات الطبية المتفق عليها؛ مما ساهم بشكل مباشر في إصابة المريضة بجلطة دماغية، وخاصة الثانية الأكثر خطورة. وقد جاء في تفاصيل الدعوى شرحاً لحالات السكتات الدماغية التي عادةً ما تحدث نتيجة انقطاع مؤقت في وصول الدم إلى جزء من الدماغ، ويتطلب ذلك علاجاً بالإسبرين. بيدَ أن القليل من السكتات الدماغية تحدث بسبب نزيف، وفي مثل هذه الأحوال يكون علاج حالة المريض بجرعة إسبرين خطأ طبياً؛ لأنه يُفاقم الحالة حيث يزيد الإسبرين سيولة الدم، وبالتالي استمرار النزيف. وقد كان من المفترض في حالة السيدة هو فحص ما إذا كانت السكتة ناتجة عن نزيف أم لا، وفي حال لم يكن نزيفاً فإن إعطاء الإسبرين هو المتعيّن في غضون 24 ساعة.
ونظراً لإهمال المستشفى عرض تسويةً بمبلغ قدره 224,627 جنيه استرليني حيث يغطي هذا المبلغ تكلفة الرعاية التي تحتاجها السيدة لبقية حياتها.
الواقعة الثانية: كانت مع السيدة ويلشو حيث عانت من صداع مفاجئ وشديد مع قيء أثناء إجازتها في الهند. وعند عودتها إلى المملكة المتحدة ذهبت إلى قسم الحوادث والطوارئ في مستشفى إيلينغ في أكتوبر 2008. وفحصها طبيب إلا أنه لم يتعرف على علّتها؛ لذا خرجت من عنده ثم رجعت له في اليوم التالي فأحالها إلى طبيب أعصاب الذي طلب تصويرها بالرنين المغناطيسي؛ للاشتباه بنزيف أو تمدد أوعية دموية في الرأس. وبالفعل أظهر التصوير تمدد الأوعية الدموية، لكن لسوء حظها، تم إفادتها – خطأً – بسلامتها؛ لذا قفلت راجعةً إلى منزلها لتُصاب بجلطة دماغية في المساء التالي.
قامت عائلة السيدة (ويلشو) بتفويض أحد المحامين المختصين لتولي موضوعها. فبدأ أولاً بالحصول على تقارير من جراح أعصاب واستشاري في طب الطوارئ، وضم إليهما طبيب أشعة عصبية وطبيب أعصاب. الأمر الذي سهّل له إثبات إهمال المستشفى في اكتشاف تمدد الأوعية الدموية لدى السيدة والنزيف الذي حصل لها. وأثبت النتيجة السببية في إهمال المستشفى وذلك بتضرر السيدة ويلشو حيث كانت قبل ذلك تتمتع بصحة جيدة وإنْ كان عمرها 62 عاماً بدليل أنها كانت تعمل بدوام كامل وليس جزئي، وتعيش حياة مستقلة لا تحتاج إلى عون أحد. في حين تركتها الجلطة حبيسة المستشفى عدة أشهر لتلقي العلاج وإعادة التأهيل، ثم الانتقال إلى مبنى سكني لتلقي الرعاية الصحية باستمرار مع حاجة دائمة للإشراف والمتابعة حين تكون داخل أو خارج السكن. وبالطبع فإن عودتها إلى العمل الوظيفي كان مستحيلاً.
ولقد اعترف المستشفى بإهمالهم السيدة وأنهم لم يلتزموا بتقديم الرعاية المطلوبة. وبدأت مفاوضات الطرفان على هذا الأساس، وقد كان المحامي يركز على استحقاق السيدة تعويضين: الأول تعويض عام يُدفع مرة واحدة، وتعويض آخر يدفع سنوياً لتغطية الرعاية الطبية. واستطاع الطرفان الاتفاق على تسوية – في ديسمبر 2014 – بمبلغ إجمالي كتعويض أولي بمبلغ قدره 370 ألف جنيه استرليني، ومدفوعات سنوية قدرها 58،694 جنيه إسترليني لبقية حياتها. وبحساب متوسط العمر يمكن أن يصل التعويض الإجمالي إلى ما يزيد عن مليون ونصف جنيه استرليني.
وبتأمل الواقعتين نجد الإهمال الطبي قد كان واضحاً ونتيجته كانت كارثية على السيدتين، حيث حوّلهما من سيدتين مستقلتين إلى محتاجتين لمساعدة آخرين.
ونلحظ ضخامة التعويض في الحالتين خاصة الأخيرة، فهل يرجع هذا إلى تنظيم معين هناك؟ وهل لدينا في المملكة العربية السعودية ما يماثله؟ قد يجادل البعض بأنه لو حصلت أي من الحالتين هنا فلن يتجاوز التعويض مقدار الدية المخصصة حيث يمكن الحكم بدية الدماغ مثلاً. وهذا ليس بدقيق حيث نجد مدونات الفقه تشير إلى استحقاق الدية عند ذهاب منفعة عضو ما. وبتطبيق ذلك على شخص أُصيب بجلطة دماغية وفقدان القدرة على الكلام والحركة بالأقدام، فهنا (وبنظر سريع) نرى تعطّل وظيفة الدماغ والكلام والمشي؛ فيستحق على كل واحدة دية مستقلة.
واللافت للنظر أيضاً هو حساب متوسط العمر في مسألة التعويض، فهل نجد مثلها في مدونات الفقه أو الأدبيات الإسلامية؟ هذا ما سنحاول الكشف عنه في مقال قادم إن شاء الله.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال