الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يعرض هذا المقال نوعين من العداوات التي تواجهها مملكتنا على الصعيد الخارجي أولًا، ثم الصعيد الداخلي، ولكن يتناول هذا المقال النوع الثاني من العداوات، وعلى وجه الخصوص العداوة المصطنعة بشكل أكثر تفصيل وتعمق، ويتبع هذا التناول توضيح سياسة المملكة في التعامل مع منهج اصطناع الأعداء.
كانت إحدى نتائج الكاتب/ السيد باركر في مؤلفه الموسوم بعنوان: “صناعة الأعداء” “أن السياسة الواضحة تصنع الأعداء”، وفي هذا الصدد قيل إن صُنَّاع السياسة الخارجية السعوديين -وعلى رأسهم الراحل المغفور له بإذن الله الأمير سعود الفيصل، والجيل الجديد من صناع السياسة، يتحدثون بألسنتهم بما في قلوبهم بلا هوادة أو مداهنة، بمعنى أن سياستهم واضحة الملامح، لذلك لا تستغرب سيدي القارئ العزيز الهجمات المعادية التي تراها ضد مملكتنا الحبيبة على المستوى الدولي من قبل دول أخرى ضد مملكتنا الحبيبة، أو على المستوى الفردي من قبل أفراد ضد مملكتنا الحبيبة، فما هي إلا نتيجة طبيعية لارتكاز السياسة السعودية الخارجية على الأخلاق الحميدة.
لكن هناك نوع آخر من العداوة وفيه تجنح شرذمة من أصحاب المنهج الملتوي، وهم الذين يصدق فيهم قول الشاعر
ملَكَ النفاقُ طباعَه فتَثَعْلَبا ** وأبَى السَّمَاحَةَ لُؤمُهُ فاسْتَكْلَبَا
إلى شيطنة الأفراد ذوي السياسة الواضحة المرتكزة على الأخلاق الفاضلة الواضحة، المحاربين للفساد، وبسبب هذه الشيطنة يُهَيَّأ لنا أن هؤلاء (وأقصد أصحاب السياسة الواضحة المحاربين للفساد) أعداء للدولة مع أنهم أصحاب الوفاء، ويختفي العدو الحقيقي خلف ستار النصيحة المقدمة ضد هؤلاء المحاربين للفساد، ويختصر الشاعر محمود سامي البارودي في بيتين العلاقة بين هذا العدوّ الواضح والعدو الخفيّ بقوله:
لا تَخْشَ بُؤْسَاً مِنْ عَدُوٍّ ظَاهِرٍ
وَاخْشَ الْمَكِيدَةَ مِنْ عَدوٍّ بَاطِنِ ،
كَمْ بَيْنَ شَرٍّ ظَاهِرٍ مُسْتَدْرَكٍ
مِنْهُ الْخَلاصُ وَبَيْنَ شَرٍّ بَاطِنِ
ونخلص إلي نتيجة مبدئية مفادها أن أعداء المملكة في الغالب إما أن يكونوا صناعة طبيعية نتيجة للسياسة الدولة الخارجية الواضحة المرتكزة على الأخلاق الحميدة، أو نتيجة تصوير أصحاب المنهج الملتوي أصحاب السياسة الواضحة المرتكزة على الأخلاق الواضحة في صورة أعداء للدولة، على أن تحديد العدوّ الحقيقي في النوع الثاني أصعب ما يكون؛ وذلك لوجود شخصيتين إحداهما العدو الحقيقي الخفي -الذي يدب دبيبًا أخفى من دبيب النمل- والذي يعمل على شيطنة الشخصيات التي تعارضه في فساده (الشخصية الثانية وهم العدو المصطنع الظاهر).
وفي هذا المقال أعرض -على عجالة- سياسة المملكة في التعامل مع النوع الثاني من منهج اصطناع الأعداء، وأترك النوع الأول لخروجه عن تخصص كاتب هذا المقال، وفي هذا السياق فقد تعايشت مع قصة مشابهة أحببت أن تكون أنموذجًا حيًّا لموضوع هذا المقال.
كان لي أستاذ فاضل قامة في العلم والأخلاق، وله علي الفضل الكثير والخير الجزيل، ورغم نزاهته إلا أنه ( قبل معرفتي به، أي قبل ما يقارب عشرين عامًا) تم طي قيده من عمله الذي أحبه بكل صدق، وبذلت الدولة الغالي والنفيس في تأهيله مهنيًّا، فلماذا؟ تقدم هذا الفاضل بشكوى (أو أكثر من شكوى) إلى رئيسه لافتًا فيها انتباه الرئيس إلى مجموعة من المخالفات، وإن صح التعبير الجرائم الواقعة في سجل درجات الطلاب وغيرها، فقد أخفق بعض الطلاب فعليًّا في بعض المواد الدراسية، إما لغيابهم المتكرر، وإما لانخفاض درجاتهم، لكن سجل الدرجات الجامعية يوضح عكس ذلك كذبًا وتزويرًا، وأيًّا ما كان فحوى الشكوى، وعدد مرات تقديمها، وإلى من وُجِّهَت، فما كان من رئيسه أو رئيس رئيسه إلا تكرار الآية الكونية { أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}، وبالفعل أعفي هذا الفاضل من منصبه، ولك أن تسأل وحُقَّ لك البحث عن الإجابة، كم من طالب تخرج بالتزوير، ونيط به عمل لا يستحقه، وأمانة هو أقل من أن يكون أهلًا لها، وكم كانت حرقة قلب هذا الفاضل عندما رُدَّ إليه الوفاء بالجفاء، والإحسان بالخِذْلان. كان هذا الفاضل في غاية الحكمة فلم يتخذ من هذا النكران سببًا في المعاداة، لكنه أوكل أمره لله، ولسان حاله يقول:
صبرتُ على غدرِ الزمانِ وحقدهِ ** وشابَ لي السُّمَ الزعافَ بشهده
فامتهن مهنة الدفاع عن الحقوق، فكان وما زال بارعًا فيها حتى لُقِّبَ بعرَّاب القانون السعودي، وبعد حين أراد الله نصره ، فأعيد هذا الفاضل إلى منصبه، وإن صح التعبير أعيد المنصب إلى صاحبه، ويتبادر إلى الذهن: كم من فاضل كانت وشاية الفاسدين به بالكذب والزور سببًا في شيطنته واصطناعه عدوًّا بدلًا من أن يكون صديقًا وفيًّا؟.
ومع قرع طبول الحرب ضد الفساد التفتت الدولة بحكمتها البالغة وحجتها الدامغة وجود هذا المنهج الملتوي (اصطناع الأعداء)، وأوجبت البحث عن علاج لآثاره السلبية في محاربة الفساد، واليوم – والحمد لله- توجد هيئة مكافحة الفساد (التي أطلقها الراحل المغفور له -بإذن الله- الملك عبدالله -رحمه الله- وأنفذ عملها بكل قوة الملك سلمان بارك الله في عمره، وولي عهده الأمين الأمير محمد) تعتنق منهج المحافظة على سرّية بيانات المبلّغ عن الفساد.
ومن المتوقع أنه سيندثر هذا المنهج الملتوي مع شدة وطأة الحرب على الفساد ، إلا أن الواقع ينبى بعكس ذلك، إذ أنه -وبكل أسف- ما زال هناك مخلفات لهذا المنهج الملتوي الذي يعيق الحرب على الفساد، وكوسيلة للتعامل مع هذا المنهج عملت الدولة ممثلة بمجلسهيها (الوزراء والشورى) على التحضير لبعض الأنظمة والتي سيصدر منها قريبًا -بمشيئة الله- نظام حماية الشهود والمبلغين والذي سيكفل قدرًا كبيرًا من الحماية للشاهد أو المبلغ عن الجرائم المتعلقة بالمال العام(الرشوة، الاختلاس، استغلال النفوذ وغيرها).
مع صدور هذا النظام سينتهي -باذن الله- ذلك المنهج ويدحض أهله ، فحٌقَ لنا بعدها أن نقول للشرفاء طوبى لكم.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال