الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لا شك في أن رؤية 2030 شكلت تحديا كبيرا لسوق العمل السعودي والذي تمثل في إعادة الهيكلة الحكومية والتنظيمية، وإلى حد ما، التشريعية، لتناسب تحديات الواقع وتطلعات المستقبل ومن ما لاشك فيه أنه قد تبع ذلك لبس وتعقيد وغموض في آليات التنفيذ وخطط العمل والجدرات والمهارات المطلوبة لنجاح. فقد تم إعادة هندسة الملائة المالية لدولة وإعادة ضبط مؤشرات الأداء الحكومية والخاصة كذلك واستحدثت العديد من الهيئات والمراكز لسد الفجوات في بنية الجهاز الحكومي والإسراع نحو مستهدفات الرؤية. كما تمت إعادة هيكلة العديد من الجهات الحكومية الرئيسية ودمجها أو فصلها مع أو عن جهات أخرى كما يتسق مع مخطط الرؤية.
وإن لكل ذلك تبعات في التنفيذ تتسم بالتعقيد والإعجاز أحيانا فقد وما زالت تحديا كبيرا يواجه متخذي القرار وقياديي الصف الأول وجميع منسوبي تلك الجهات. والمشهود بعد انقضاء السنوات الخمس الأولى من هذه الرؤية الحالمة والطموحة، هو أن سوق العمل السعودي والذي لربما كان قبيل الرؤية يعاني من الخمول والبرود النسبيين وتدني معدلات السعودة وقلة الكفاءات الوطنية المدربة في التخصصات الدقيقة والفنية، وأكد على قولي لربما، قد نجح في استيعاب تحدي الرؤية والنهوض بالطموحات والأحلام بالعمل الجاد والمخلص.
فهاهي الكفاءات الوطنية تقارع تحديات الرؤية في مختلف القطاعات والساحات المحلية والدولية وعلى كل المستويات العلمية والفنية والعملية. وقد برز في فجر إشراق هذه الرؤية، صفوة من الكفاءات التي كانت إلى عهد قريب تستوطن الصف الثاني، فهاهي اليوم، قد تقدمت للأمام واثبتت أنها على قدر التحدي وأنها قادرة على الوصول بنا نحو بر الرؤية. وليست هذه الظاهرة حصرا على القيادات وحسب بل إن شعلة الرؤية وصلت إلى أدنى مستويات سوق العمل وشحنت همم الجميع بالعزيمة والمثابرة والإنجاز. وطبقا للمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، فإن المملكة تقدمت 13 مرتبة في مؤشر كفاءة سوق العمل لعام 2019 مقارنة بعام 2018؛ وكان من ذلك تقدم المملكة في 5 مؤشرات فرعية تقيس جوانب مختلفة من كفاءة سوق العمل.
وقد أتت استضافة المملكة لرئاسة مجموعة العشرين على رأس الشهود على استيعاب سوق العمل لتحدي الرؤية؛ وتلك كوكبة خالصة من التجارب والخبرات العالمية اكتسبها السوق السعودي، تشترى بالذهب ولا تباع به. ولكن ما زال يقبع في عمق السوق العديد من العقبات والتحديات نحو الإمكان الكامل. فقد خلصت دراسة لأكاديمية مسك في عام 2020، حاولت تقييم احتياجات سوق العمل السعودي، إلى أن هناك فجوة بين الاحتياجات ومهارات القوى العاملة الحالية والمستقبلية. وهنا يخلص التحدي القائم والمستمر لسوق العمل، وهو ندرة الكفاءات وقلتها. ومن الجدير بالذكر أن ندرة الكفاءات الوطنية معطل حقيقي لآمال التحول والنمو الاقتصادي، فندرة الكفاءات تستلزم الاستعانة بكفاءات خارجية قد تكون مكلفة ومحدودة.
كما أنها قد تؤدي إلى تعطيل المشاريع الوطنية، وتضخيم رواتب الكفاءات القليلة الموجودة مما يؤدي إلى زيادة التكاليف التشغيلية والذي بدوره قد يؤدي إلى انحسار الاستثمارات التطويرية والرأس مالية. وتعزز ندرة الكفاءات في اقتصاديات سوق العمل كذلك، الاستقطاب بين القطاعات الاقتصادية المختلفة فتنحسر نخبة الكفاءات في أعلى تلك القطاعات أجرا مما يحرم القطاعات الدنيا من الكفاءات المطلوبة وهذا بدوره يؤدي إلى انعدام التنمية الشاملة وتوازن النمو الاقتصادي.
ظاهرة ندرة الكفاءات هذه ليست خاصة بسوق العمل السعودي بل هي ظاهرة عالمية تعاني منها أغلب الدول بنسب وتبعات متفاوتة وهي تعود في أصلها لتسارع تطور تقنيات العمل وتكنولوجيات التواصل والمعلومات وازدياد معدلات العولمة وفشل مؤسسات التعليم التقليدية عن المواكبة الفعالة. ولكنها ظاهرة تمثل تحدي حقيقي لرؤية المملكة 2030.
والحل لربما يكمن في الإرادة الصادقة نحو التحول والتغيير وفي الدراسة العميقة للحالة السعودية بصورة خاصة ومكثفة والبحث في مرئيات الحلول العاجلة والآجلة. كما أن مضاعفة الجهود والاستثمارات لتوفير الكفاءات اللازمة ربما تكون من بين الحلول المطروحة كذلك. ولو استطعنا بحلول عام الرؤية 2030 خفض هذا العجز بين الغائب والحاضر من احتياجات الكفاءات البشرية في سوق العمل للحد الأدنى فإن ذلك سيعني فرصة أوسع في تحقيق مستهدفات الرؤية. لقد نجح سوق العمل بلا أدنى أي شك في استيعاب تحدي الرؤية ولكن مازال تحدي ندرة الكفاءات قائما ومثبطا للمسيرة الطموحة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال