الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
جاءت التطورات الأخيرة في أسواق النفط العالمية مع إنحسار أزمة كورونا على خلفية إنطلاق حملات اللقاح حول العالم و تخفيف إجراءات القيود على الحركة التي ساهمت في حالة إنتعاش النشاط الإقتصادي العالمي وتأثيرها الإيجابي على الطلب على النفط وعلى الموازنات العامة للدول النفطية. و في هذا السياق جاءت مؤشرات أداء الميزانية العامة للمملكة العربية السعودية للربع الثالث 2021 في جانب الإيرادات لتعكس هذا التحسن في أسواق النفط الذي جاء على خلفية القرارات التي اتخذتها مجموعة أوبك وحلفائها بقيادة المملكة في خفض الإنتاج إبتداءً من مايو 2020، حيث إرتفع متوسط الأسعار بنسبة 72% من 43 دولار للبرميل في الربع الثالث 2020 إلى 74 دولار للبرميل في الربع الثالث 2021. كما جاء هذا التحسن في الإيرادات النفطية خلال الربع الثالث 2021 أيضاً نتيجة قرار المجموعة مع الحلفاء على زيادة الإنتاج إبتداءً من يوليو 2021 بشكل تدريجي وذلك بمقدار 400 الف برميا يوميا لكل شهر حتى أبريل 2022 إستجابة الى إرتفاع الطلب العالمي. وعلى إثر ذلك فقد ارتفع إنتاج المملكة من النفط بنسبة 8% على أساس سنوي في الربع الثالث ليبلغ 9.5 مليون برميل يومياً، وذلك بعد أن قامت المملكة أيضاً بإيقاف العمل بخفض الإنتاج الإختياري المقدر بنحو 1 مليون برميل يومياً. وقد ساهمت هذه التطورات في نمو الناتج المحلي للقطاع النفطي على أساس سنوي بنسبة 9% خلال الربع الثالث 2021، كما إرتفع بنسبة 12.9% عن مستواه في الربع الثاني السابق.
إلا أنه في المقابل تراجعت الإيرادات غير النفطية بنسبة 22% خلال نفس الفترة لتبلغ 95.4 مليار ريال، حيث كان التراجع الأكثر حدة وبنسبة 62% في الإيرادات الأخرى والتي تشتمل على العوائد المتحققة من استثمارات البنك المركزي وصندوق الإستثمارات العامة و رسوم الخدمات الإدارية لتنخفض إلى 18.3 مليار ريال في الربع الثالث 2021 من 47.6 مليار ريال في الربع الثالث 2020، و يعود هذا التراجع في هذا الربع إلى التفاوت من ربع إلى آخر في أوقات تحصيل الأرباح الموزعة على الأصول الإستثمارية. بيد أن النسبة العالية في إرتفاع أسعار النفط مع زيادة الإنتاج وبالتالي زيادة الإيرادات النفطية قد عوضت بما يفوق ذلك التراجع في الإيرادات غير النفطية ليرتفع إجمالي الإيرادات للربع الثالث 2021 على أساس سنوي بنسبة 13%، حيث بلغت 243.4 مليار ريال. وفي ظل التوقعات الإيجابية للإقتصاد العالمي و توجهات أسعار النفط في المدى القريب والمتوسط فإن ذلك قد يمكن من تحقيق برنامج التوازن المالي 2023 من غير تعديلات طارئة في السياسة الإيرادية أو السياسة الإنفاقية كما حدث في عامي 2018 و 2020. كما لا ينحصر الأمر في إنخفاض الإيرادات النفطية، فأن التأثير قد ينشأ من إنخفاض الإيرادات غير النفطية كما جاء في هذا الربع الثالث 2021، حيث أن مثل هذه التقلبات قد تشكل تحديا نحوتحقيق الإستدامة الإقتصادية، (الرسم البياني 1).
الرسم البياني 1: الإيرادات النفطية والإيرادات الغير نفطية
وإنعكاساً للإجراءات الضريبية الإستثنائية التي أدخلتها الحكومة على برنامج التوازن المالي لتعزيز الإيرادات غير النفطية بعد تراجع أسعار النفط في أبريل العام الماضي ابتداءً من يوليو 2020 إلى جانب زيادة الرسوم الإدارية وغيرها من الإجراءات المالية التي كانت سابقاً ضمن برنامج التوازن المالي بهدف تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الإعتماد على الإيرادات النفطية، فقد سجلت إيرادات الضرائب على السلع والخدمات (ضريبة القيمة المضافة التي تم رفعها من 5% إلى 15% في يوليو 2020 وكذلك الضريبة الإنتقائية) ارتفاعاً بنسبة 28% لتبلغ 66.1 مليار ريال، حيث جاءت حصتها الأكبر بنسبة 69% من إجمالي الإيرادات غير النفطية وبلغت أيضاً نحو 27.2% من إجمالي الإيرادات. كما بلغت إجمالي هذه الإيرادات من الضرائب على السلع والخدمات خلال التسعة أشهر منذ بداية العام الحالي نحو 187.75 مليار ريال. وبخصوص فئة الضرائب على التجارة والمعاملات الدولية فقد ارتفعت هي الأخرى بنسبة 4%، حيث بلغت 4.71 مليار ريال خلال الربع الثالث ووصل إجماليها من بداية العام حتى نهاية الربع الثالث إلى 13.05 مليار ريال، لتشكّل 4.4% من إجمالي الإيرادات غير النفطية.
أما الضرائب الأخرى والتي منها الزكاة فقد انخفضت بنسبة 77% على أساس سنوي خلال الربع الثالث لتبلغ 2.78 مليار ريال، في حين بلغ إجماليها خلال التسعة شهور الأولى من العام 25.38 مليار ريال، حيث مثلّت مانسبته 8.5% من إجمالي الإيرادات غير النفطية لنفس الفترة. كما أن الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية أيضاً شهدت إنخفاضاً حاداً بنسبة 52% على أساس سنوي في الربع الثالث 2021، لتبلغ 3.49 مليار ريال، في حين بلغ إجماليها 13.9 مليار ريال من بداية العام و حتى نهاية سبتمبر، لتشكّل نحو 4.6% من إجمالي الإيرادات غير النفطية. وعلى أساس إجمالي الإيرادات النفطية وغير النفطية خلال التسعة شهور الأولى من عام 2021، فقد ارتفعت بنسبة 29% مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي لتبلغ 696.2 مليار ريال، حيث تعزى هذه الزيادة بشكل أساسي إلى الإيرادات النفطية التي إرتفعت بنسبة 25% (396.7 مليار ريال)، وثانياً إلى إيرادات الضرائب على السلع والخدمات التي إرتفعت بنسبة 102.5% (187.8 مليار ريال). غير أن هذه النسبة العالية و بما يفوق 100% في إيرادات الضرائب على السلع والخدمات، والتي جاءت لتحقيق التوازن بين الساسة الإنفاقية والسياسة الإيرادية، كانت لها آثار إنكماشية على الإستهلاك الخاص وساهمت في إرتفاع مستويات التضخم بشكل غير مسبوق إذ بلغ معدل تضخم الرقم القياسي لأسعار المستهلك 5.7% على أساس سنوي في الربع الثاني 2021، وبلغ معدل تضخم الرقم القياسي لأسعار الجملة 16.8% خلال نفس الفترة، وهذه المستويات سوف تؤدي إلى إرتفاع مستويات التضخم التراكمية سواءً لأسعار المستهلك أو لأسعار الجملة، وبالتالي ضعف القدرة الشرائية التي سوف يمتد تأثيرها على معدلات نمو القطاع الخاص للسنوات القادمة.
أما في جانب المصروفات، فقد جاءت الزيادة الأعلى من حيث النسبة في بند نفقات التمويل بنحو 20% إذ ارتفعت من 5.4 مليار ريال في الربع الثالث 2020 إلى 6.5 مليار ريال للربع الثالث 2021، كما بلغ إجماليها خلال التسعة أشهر منذ بداية العام 19.73 مليار ريال والذي يعود سببها إلى تنامي حجم الدين العام، كما أنه من المتوقع إستمرار زيادة بند نفقات التمويل خلال الأعوام القادمة إذ سوف تحل آجال العديد من الإصدارات المحلية والدولية التي تم إصدارها خلال الأعوام الماضية، والذي يعني الإلتزام بسداد أصول هذه الديون أو إعادة تمويلها، وبطبيعة الحال سوف يشكّل ذلك عبءً مالياً متزايداً على الميزانية العامة للدولة في السنوات القادمة. وهذا ما أكده البيان التمهيدي لميزانية 2022، إذ تقدّر وزارة المالية بأن تبلغ إلتزامات سداد أصول الديون بنحو 76 مليار ريال في 2022. أما من حيث الإنخفاض في بنود المصروفات فقد جاءت النسبة الأعلى تراجعاً في الربع الثالث 2021 على أساس سنوي في بند المنح بنسبة -63% ليبلغ 175 مليون ريال ويليه بند الإعانات بنسبة -47% ليبلغ 4.34 مليار ريال. غيرأن هذا الإنخفاض أتى بعد أن قدّمت المملكة منحاً سخيةً للمنظمات الدولية المعنية بمكافحة كورونا ومنها منظمة الصحة العالمية خلال الربع الأول 2021، إذ بلغت 2.7 مليار ريال. وبخصوص الإعانات فقد جاء هذا الإنخفاض أيضاً فيها بعد إنتهاء المدى الزمني لتطبيق الحوافز المالية التي قدمتها الحكومة لدعم شركات ومؤسسات القطاع الخاص خلال فترة الجائحة وذلك بنهاية الربع الأول 2021.
وفي حين انخفض بند المنافع الإجتماعية بنسبة 41% على أساس سنوي خلال الربع الثالث ليبلغ 12.4 مليار ريال وذلك بعد إنخفاض مخصص حساب المواطن بنسبة 5% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي على خلفية إستبعاد بعض الفئات غير المستحقة ليبلغ 5.7 مليار ريال، فأن إجمالي هذا البند حقق زيادة لفترة التسعة أشهر الأولى من هذا العام والتي بلغت 11%، ليصل إجمالي الإنفاق على المنافع الإجتماعية إلى 54.2 مليار ريال. وفيما يخص بند الأصول غير المالية والذي يمثل الإنفاق على المشاريع الرأسمالية فقد تراجع بنسبة 16% من 32.4 مليار ريال في الربع الثالث 2020 إلى 27.2 مليار ريال لنفس الفترة من 2021، كما تراجع بنسبة 29% خلال التسعة أشهر الأولى من العام ليبلغ 64 مليار ريال. وقد شكّل هذا التراجع أحد العوامل التي ساهمت في تباطؤ معدل نمو الناتج المحلي الحكومي، حيث سجّل نمواً ضعيفاً خلال الربع الثاني على أساس سنوي بنحو 0.4% و نمواً متواضعاً بنحو 2.7% على أساس سنوي في الربع الثالث 2021. كما إنعكس هذا الإنخفاض في الإنفاق الرأسمالي على أداء قطاع البناء والتشييد الذي يعتمد على بشكل كبير على الإنفاق الرأسمالي، حيث جاء نموه متواضعاً عند 2.7% و %3.2 في الربع الأول والثاني على أساس سنوي بالمقارنة إلى متوسط النمو لإجمالي القطاع الغير النفطي الذي سجل 11.1% و 6.2% خلال نفس الفترتين على التوالي.
وقد انخفض الإنفاق في بند استخدام السلع والخدمات، والذي غالبه يمثل المصاريف التشغلية في القطاع الحكومي، بنسبة 10% على أساس سنوي خلال الربع الثالث 2021 ليبلغ 41.2 مليار ريال، غير أنه سجل نمواً في التسعة أشهر الأولى من هذا العام الحالي بنحو 6% ليبلغ 114.3 مليار ريال. أما بخصوص تعويضات العاملين فقد شكّلت الحصة الأعلى من المصروفات بنحو 52% من إجمالي الإنفاق لتبلغ 123.45 مليار ريال، والتي ارتفعت بنسبة 3% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، إلا أن إجمالي هذه التعويضات حتى نهاية الربع الثالث 2021 بلغ نحو 369.12 مليار ريال لينخفض بنسبة -0.1% عن مستواه في العام الماضي. ولذا فإن تأثير إلغاء بدل الغلاء عن موظفي القطاع العام والذي تم تنفيذه إبتداءً من يوليو 2020 جاء محدوداً جداً في مقابل زيادة العاملين في القطاع الحكومي المدني المسجلين على الخدمة المدنية والتأمينات الإجتماعية بنحو 27 ألف موظف خلال النصف الثاني من العام الماضي.
وعلى أساس التوزيع القطاعي للميزانية خلال التسعة أشهر من 2021، جاء قطاعي الموارد الإقتصادية و الخدمات البلدية الأدنى في نسبة المنصرف من إجمالي المعتمد لكل من هذين القطاعين بنحو 57% و45% على التوالي. كما تراجع الإنفاق في قطاع الأمن والمناطق الإدارية، والتعليم على أساس سنوي إلى نهاية الربع الثالث 2021 بنسبة 9% و8% على التوالي، وفيما يخص المنصرف من المخصص لهذين القطاعين في الميزانية السنوية خلال التسعة أشهر الأولى فقد بلغ 73% و74% على التوالي. وكذلك الحال في قطاع التجهيزات الأساسية والنقل فقد انخفض الإنفاق بنسبة 9% على أساس سنوي خلال التسعة أشهر من 2021، غير أن حجم المنصرف مثّل نحو 76% من الميزانية المخصصة لهذا القطاع. أما قطاع الصحة والتنمية الإجتماعية فقد ارتفع الإنفاق فيه بنسبة 7% على أساس سنوي خلال التسة أشهر من 2021، حيث يُعزى هذا الإرتفاع إلى المصاريف الطبية والفنية التي تم استخدامها في مواجهة جائحة كورونا وأيضاً في تنفيذ برامج تقديم اللقاح للمواطنين والمقيمين. وقد شكّل حجم المنصرف في هذا القطاع من المعتمد له خلال التسعة أشهر من العام الحالي نحو 76% حيث بلغ الإنفاق 124.4 مليار ريال. وتشير هذه النسب إلى حجم التفاوت مابين القطاعات في نسبة المنصرف من المخصص لكل قطاع، غير أنه من الواضح ذلك التباطؤ في تنفيذ البرامج المعتمدة في قطاعي الخدمات البلدية والتجهيزات الأساسية والنقل والتي ساهمت في إنخفاض الإستثمار الرأسمالي.
وفي حين أن المصروفات جاءت منخفضة بنسبة 3% منذ بداية العام و حتى نهاية الربع الثالث من عام 2021 مقارنة لنفس الفترة من العام الماضي، فإن الإيرادات حققت إرتفاعاً كبيراً بنسبة 29% لنفس الفترة على خلفية تحسن أسعار النفط وإرتفاع الإيرادات النفطية وأيضاً إرتفاع إيرادات ضريبة القيمة المضافة، مما ساهم في إنخفاض عجز الميزانية لنفس الفترة إلى 5.4 مليار ريال. وقد شكّل الإقتراض وإصدارات الدين المحلي منذ بداية العام و حتى نهاية الربع الثالث ما مقداره 23.8 مليار ريال في حين بلغت قيمة إصدارات الدين الدولي 27.3 مليار ريال. وقد بلغ نصيب الدين الداخلي 502,7 مليار ريال، بينما بلغ نصيب الدين الخارجي نحو 350.8 مليار ريال، حيث ارتفع إجمالي الدين العام للمملكة من 853.5 مليار ريال بنهاية 2020 إلى 948.3 مليار ريال بنهاية الربع الثالث 2021. بيد إن الزيادة في الإنفاق الحكومي الذي يموّل من خلال الدين العام سوف يقع عبء سداده الحقيقي على الإستهلاك المستقبلي سواء كان الحكومي بشكل مباشر في زيادة بند نفقات التمويل و/أو على الخاص من خلال إبقاء الحكومة لضريبة القيمة المضافة الإستثنائية عند مستواها الحالي 15%.
وفي ظل التقلبات الحادة في أسعار النفط التي يصعب التنبوء بها فإن إتخاذ قرار الإستدانة الحكومية لابد أن يأخذ في الإعتبار قضية الإستدامة المالية والتحديات المستقبلية التي يمكن أن تواجهها المالية العامة للدولة نتيجة تصاعد مستويات الدين العام. وإذا طال أمد سداد أصل هذا الدين في حال عدم توفر وفورات مالية فسوف تتحمل الأجيال القادمة الجانب الأكبر من أعبائه، وهذا سوف يؤثر سلباً على مستويات رفاهيتهم نتيجة تحمل أعباءً مالية لم يستفيدوا منها أساساً. وبينما تسعى الدولة من خلال برنامج التوازن المالي إلى تبني سياسات تهدف إلى تصحيح الأوضاع المالية نتيجة تقلبات الإيرادات النفطية فإن ذلك يأخذ مسارين: أولهما هو ترشيد الإنفاق الحكومي وأن لا يكون ذلك على حساب الإنفاق الإستثماري بشكل عام وفي قطاعي التعليم والصحة بشكل خاص إلى جانب ضرورة تحسين كفاءة الإنفاق، وثانيهما تحقيق زيادة في إيرادات جديدة غير ضريبية، مثل تلك العوائد على الإستثمارات التي يديرها صندوق الإستثمارات العامة، وبما لا تؤثر سلباً على الإستهلاك الخاص. ويعتمد نجاح مثل هذه السياسة المالية من خلال تحقيق التوازن الدقيق بين السياسة الإنفاقية والسياسة الإيرادية بما يتلائم مع الأوضاع الإقتصادية نحو زيادة الإنتاجية و تحقيق النمو الإقتصادي، (الرسم البياني 2).
الرسم البياني 2: الإنفاق الإستثماري ونمو الناتج المحلي للقطاع غير النفطي
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال