الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تعد الجوانب المتعلِّقة بقوانين “الحدُّ الأدنى للأجور”، وتشريعات العمل من قضايا الاقتصاد المعقَّدة والمختلف على جدواها ونتائجها. فإصدار تشريع، واحتساب الحدِّ الأدني المثالي والمتوازن، وتشخيص القطاعات المشمولة، وقياس تبعاته على سوق العمل، قرارات تحتوي قدرًا من الصعوبة، وتتطلَّب مراعاة الحسابات الاقتصاديَّة والسياسيَّة.
تقدِّم هذه المشاركة عرضًا موجزًا لأهمِّ جوانب تشريعات “الحدُّ الأدنى للأجور”، وتشمل المفهوم والمبرِّرات والدوافع، وتأثير الحدِّ الأدنى للأجور في سوق العمل ورفاهية العاملين، وفي قرارات المنشآت الخاصَّة خاصَّةً. وتقدِّم ردًا على أكثر جوانب الموضوع أهميَّة وجدليِّة، ألا وهو العلاقة بين فرض “الحدُّ الأدنى للأجور” وارتفاع حجم البطالة تحديدًا.
تُلخَّصُ قوانين “الحدُّ الأدنى للأجور” بأنظمة تصدرعن مؤسسَّات تشريعيَّة تُلْزِمُ المنشآت وأرباب العمل على دفع حدٍّ أدنى من الأجر إلى العاملين لقاء كلِّ ساعة عمل. تقتضي فعاليَّة التشريع الاقتصاديِّة أن يكون مستوى الحدِّ الأدنى أعلى من الأجر التوازني، “الأجر السائد في سوق العمل”. وغالبًا ما يتمُّ تحديده وفقًا لمعايير اقتصاديَّة، أو قياسًا على معدَّل أجورالعاملين في نشاطات إنتاجيَّة وخدميِّة معيَّنة.
تتباين الأسباب الموجبة لإصدار مثل هذه التشريعات تبعًا لاختلاف الاقتصاد، وتتوزَّع على جُملةٍ من الدوافع، أكثرها أهميَّةً؛ تقليل مستوى الفقر، والحدُّ من استغلال المنشآت للطبقة العاملة، وتحجيم دور النقابات والتنظيمات العمَّاليَّة، ودعم الطلبة والشباب.
تبعات تطبيق “الحدُّ الأدنى للأجور”على توازن سوق العمل، وعلى مستوى الاستخدام، تعدُّ من المحاورالخلافيَّة المهمَّة في اقتصاديَّات العمل التي حفزت خلال العقود الخمسة المنصرمة كمًّا من دراسات نظريِّة وبحوثًا كمِّيِّىةً تطبيقيَّة قدِّمت نتائج متباينة.
وفقًا لتحليل النظريَّة الاقتصاديَّة ونموذج العرض والطلب، فُرِضَ الحدُّ الأدنى للأجورفي سوق تنافسي يؤدي إلى زيادة حجم البطالة. فإلزام المنشآت الخاصَّة بدفع مستوى أجر يفوق الأجر التوازني، يرفع كلف الإنتاج، ويدفعها إلى تسريح جزء من العمالة المستخدمة، وإحلال عناصر بديلة أرخص نسبيًّا. بالمقابل، تطبيق النظام يقود الى زيادة عرض العمل ورفع استعداد الأفراد للعمل لقاء الأجرالجديد المرتفع. هذه التغيرات المتزامنة في جانبي العرض والطلب تفرز حالة عدم توازن سوق العمل، وتنتج فائضًا في كميَّة العمل المعروض.
في ضوء ما تقدَّم عن تبعات تشريعات الحدِّ الأدني للأجورالسلبيَّة على سوق العمل، ورفعها المستوى العام للبطالة، هل يجب قبول هذا التوقُّع النظري مسلَّمة نظريِّة عامَّة وراسخة؟
ليس بالضرورة. فالاقتصاد كيان تفاعلي متحرِّك، تحدِّد مساراته متغيِّرات عديدة تتقاطع وتتصادم بشكل متزامن، مما يصعب قبول التوقعات والمسلمات النظريَّة العامَّة بشكل مطلق. فخلال العقود الخمسة المنصرمة، تعرَّض التوقُّع النظري السلبي إلى اعتراضات نظريَّة عديدة، قدَّمت حالاتٍ جزئيةً لا يترتب على فرض الحدِّ الأدنى للأجور فيها ارتفاع في حجم البطالة أبرزها:
أوَّلًا، التأثيرالنهائي السلبي لفرض الحدِّ الأدنى للأجورعلى مستوى البطالة، يتوقَّف في نهاية الأمر على مرونة الطلب على العمل، حيث يقلُّ التأثير، ولا يؤدِّي إلى ارتفاع مستوى البطالة كلَّما قلَّت مرونة الطلب على العمل .
ثانيًا، فرض قانون “الحدُّ الأدنى للأجور” يدفع نسبة من العاملين في القطاعات المشمولة بالقانون للانتقال إلى قطاعات غير مشمولة، أو مغادرة قوَة العمل، دون تأثُّر حجم البطالة.
ثالثًا، تطبيق “الحدُّ الأدنى للأجور” قد يصاحبه ارتفاع في طلب المنشآت على العمل جراء ارتفاع طلب المستهلكين على السلع والخدمات، وحاجة المنشآت إلى عمالة إضافيَّة.
رابعًا، ارتفاع أسعار عناصر الإنتاج البديلة للعمل “رأس المال أو التقنية” من شأنه زيادة الطلب على عنصر العمل الأرخص نسبيا حتَّى إبَّان سريان قانون “الحدُّ الأدنى للأجور”.
خامسًا، المؤثِّر الآخر الذي قد يحدُّ من التأثير السلبي للحدِّ الأدنى على حجم البطالة ما يمكن تسميته بـ “تأثير الصدمة- shock effect “. ضغوط الكلف الناجمة عن فرض الحدِّ الأدنى غالبًا ما تحفز أرباب العمل على رفع كفاءة الانفاق باستخدام آليَّات تخفيض الكلف لم يسبق استخدامها دون اللجوء إلى تسريح جزء من العاملين.
سادسا ، امتلاك المنشأة قوَّة سوقيَّة ” احتكار قلَّة – Oligopolist” تمكِّنها من رفع أسعار سلعها دون خسارة جزء من حصَّتها السوقيَّة ، والمحافظة على معدَّل أرباحها، وامتصاص التأثير السلبي لنظام الحدِّ الأدنى دونما حاجة إلى تسريح العاملين ورفع مستوى البطالة.
ثمَّة سؤالان مهمَّان يستحقَّان التوقُّف عندهما: الأوَّل ، هل يمكن أن يقود فرض، الحدِّ الأدنى للأجور، أو رفع مستواه إلى زيادة طلب المنشآت على عنصر العمل؟ أو أن ينتج منافع مباشرة للمنشات وأرباب العمل؟ قد يبدو للوهلة الأُولى وجود تناقض نظري في هذا السؤال! لكن مع وجود الحدِّ الأدنى للأجور، ليس بالضرورة أن تضطرَّ المنشات لرفع مستوى الأجور في حالة حاجة العمليَّة الإنتاجيَّة إلى مزيد من العاملين لتلبية ارتفاع طلب المستهلكين على منتجاتها.
ويتعلَّق السؤال الثاني بأثر الحدِّ الأدنى السلبي في رفاهية العاملين. لا شكَّ في التأثيرات الإيجابيِّة لفرض الحدِّ الأدنى للأجور، أو رفعه في تحسين الوضع المعاشي للعاملين ورفاهيِّتهم في المدى القصير. إلَّا أنَّ ثبات الحدِّ الأدنى على مستوى معيِّن لمدَّة زمنيَّة طويلة، وعزوف المنشآت عن رفع الأجور يؤدِّيان إلى انخفاض القوَّة الشرائيَّة الحقيقيَّة لأجور العاملين من جرَّاء ارتفاع معدَّل التضخُّم.
كما أسلفنا أعلاه، صدور تشريعات “الحدُّ الأدنى للأجور” تحتوي قدرًا كبيرًا من الصعوبات والحسابات الاقتصاديِّة والسياسيَّة. كما يتطلَّب اصدارها تقدير تبعاتها ومماثلة كلفها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة بمنافع قوِّة العمل، وتحديد أثرها في سلوكيَّة المنشآت الخاصَّة والمستهلكين، وفي مفاصل الاقتصاد الكلِّي!
على المدى المنظور، تطبيق نظام حدٍّ أَدنى للأجور متوازنٍ ومبنيٍّ على معطيات اقتصاديِّة يؤدِّي إلى زيادة الدخل الأُسري أو الفردي، وإلى رفع مستوى الاستهلاك الذي بدوره يؤدِّي إلى ارتفاع الطلب الفعَّال على السلع والخدمات، وزيادة الانتاج، وارتفاع الطلب على قوَّة العمل ونموِّ الناتج المحلِّي الإجمالي..
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال